الرئيسية » سعاد فهد المعجل » سعاد فهد المعجل : اغتيال التاريخ

سعاد فهد المعجل : اغتيال التاريخ

سعاد فهد المعجل
سعاد فهد المعجل

قد يرى البعض، أن الحديث عن تدمير الآثار في دول النزاع، حديث مترف، ويحمل استهانة بعشرات، بل ومئات الأرواح، التي تزهق كل يوم، وأن الاهتمام بالإرث التاريخي في المنطقة، والذي بات يتعرَّض لعملية نهب وتدمير ممنهجة، هو اهتمام بالحجر، قبل البشر.. هؤلاء لهم عذرهم في رؤيتهم هذه، فويلات الحروب التي يواجهونها فاقت كل تصوُّر، والتهجير ودمار المدن والمنازل والقرى لا يشبه في شكله إلا المباني والمدن المدمرة إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، لكن لابد من وقفة هنا، للتذكير بأن الإنسان في خلاصته جسد وتاريخ وحضارة، وما نشهده اليوم من تدمير بشع لآثار سوريا والعراق، على وجه الخصوص، هو صراع مكشوف بين الحضارة والهمجية، ممثلة بـ «داعش» وأشكاله، على الرغم من أن هذه ليست المرة الأولى التي يمارس فيها متشددون وأصوليون جهلة بطشهم وعنفهم ضد الحضارة البشرية في كل مكان، فقد سبق «داعش»، «القاعدة»، حين تجاهلت النداءات الدولية، وقامت بهدم أكبر تمثالين لبوذا في العالم في وادي باميان بأفعانستان.

اليوم، يدخل هؤلاء الجهلة، لينتهكوا جانبا من حضارة البشرية في تدمر السورية، بعد أن انتهكوا حياة البشر وأعراضهم.

في تدمر يقف هؤلاء الجهلة بفؤوسهم، ليغتالوا صروحا تمتد على مساحات شاسعة، وتعود في تاريخها إلى القرنين الأول والثاني الميلادي، والتي ازدهرت بشكل خاص في عهد الملكة زنوبيا، بحيث نافست الحضارة الرومانية، حتى تم إدراجها في عام 2013 على لائحة التراث العالمي المعرَّض للخطر من قِبل «يونيسكو»، ولم تكن تدمر وحدها التي اغتال تاريخها هؤلاء المجرمون، فقد سبقتها مدينة نمرود الآشورية العريقة، التي تعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، حيث قام هؤلاء بتدمير ألواح تاريخية نادرة بالمطارق، قبل أن يتم تفجيرها ومساواتها بالأرض.

من متحف الموصل إلى سور نينوى إلى مدينة الحضر الأثرية ومرقد النبي موسى، والكنيسة الخضراء، إلى مرقد الأربعين ومكتبة الموصل.. يقف التاريخ خجلاً من جهل وهمجية هؤلاء المجرمين.. وتئن الحضارة الممتدة من سوريا إلى العراق، وإلى ليبيا واليمن، وتنعي تراثها، الذي تمَّت سرقته أو تدميره، فليس أبشع من قتل البشر، سوى اغتيال التاريخ.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *