الرئيسية » عربي ودولي » بلمختار.. طموحات جارفة لخطف زعامة «القاعدة» من الظواهري

بلمختار.. طموحات جارفة لخطف زعامة «القاعدة» من الظواهري

منافسة شرسة بين «القاعدة» و«داعش» لضم مجموعات جهادية جديدة
منافسة شرسة بين «القاعدة» و«داعش» لضم مجموعات جهادية جديدة

كتب محرر الشؤون العربية:
رشحت تكهنات واسعة النطاق، صادرة عن مراقبين وتقارير غربية تتعلق بالمجموعات الجهادية، بإمكانية «تحوُّل ثقل تنظيم القاعدة إلى منطقتي شمال أفريقيا والساحل»، وذلك على خلفية الإعلان عن تعيين الزعيم الجهادي الجزائري مختار بلمختار على رأس مجموعة «المرابطون»، في خطوة عدَّها كثيرون «محاولة من بلمختار لاختطاف التنظيم وإزاحة زعيمه أيمن الظواهري».

ونقلت منتديات إلكترونية مرتبطة بالتنظيمات الجهادية عن جهاديين سابقين ربطتهم علاقة بالمتطرف الجزائري قولهم إن تحريكه لأوصال القاعدة في أفريقيا وقيادته المعلنة لفرعها الغربي، بعدما تقلص نفوذ التنظيم في قواعده في آسيا، وعجزه عن تجديد نفسه بعد مقتل قائده المؤسس أسامة بن لادن، يخفي طموحات جارفة لبلمختار، من أجل قيادة القاعدة، وتحويل مركزها إلى أفريقيا، في ظل افتقاد الظواهري للنفوذ و«الكاريزما» اللازمين على الفروع والأذرع.

أيمن الظواهري
أيمن الظواهري

من ليبيا حتى نيجيريا

وإذا ما حدث ذلك، سيحاول بلمختار استغلال مساحات واسعة تبدأ من ليبيا، وتمر بتشاد والنيجر ومالي، وتتصل بشمال نيجيريا، حيث نفوذ حركة بوكو حرام الواسع، وسيسهم الموقع الجديد للجهادي الجزائري في جذب الكثير من المناصرين الجدد في منطقة الساحل، وهو ما سيمثل تحديا كبيرا لنفوذ تنظيم «داعش» الناشئ في ليبيا.

وسيشكل تعيين بلمختار على رأس قاعدة الغرب الأفريقي تحدياً أمنياً كبيراً لحكومات المنطقة، في ظل حديث بيان أصدرته جماعة «المرابطون» بعنوان «توضيح بعض المسائل وتأكيدها»، عن توحد الفصائل الناشطة في الساحل الأفريقي.
ويهدد التنظيم المنطقة برمتها بمخاطر حقيقية، بالنظر إلى إلمامه بتضاريس الصحراء وتحكمه في قوافل التهريب والاتجار بالسلاح، وشبكة علاقاته مع القبائل الرحالة في الشريط الساحلي.

وتتطلب سيطرة بلمختار على المنطقة بشكل كامل فرض فصيله الأصلي (المرابطون) أوراقه على الأرض، خصوصاً أنه معروف بطموحاته لاحتلال مواقع قيادية في القاعدة، وتمرده في أكثر من مرة على أوامر قيادة فرع القاعدة في المغرب الإسلامي، ورفضه الخضوع لسلطة عبدالمالك درودكال، المعروف بـ«أبو مصعب عبدالودود»، الأمر الذي عطل تحالفا مفترضا بين الرجلين، بسبب الطموحات القيادية.

حراك عملياتي ميداني

مختار بلمختار
مختار بلمختار

ورغم تراجع بريق تنظيم القاعدة بعد المد الذي حققه «داعش» في العراق وسوريا والمنطقة عموما، يبدو أن حراكاً جديداً قد بدأ يتبلور، من أجل إثبات حضوره على الساحة.. فبعد عملية عين الدفلى الجزائرية، التي استهدفت دورية للجيش الشهر الماضي، وراح ضحيتها تسعة عسكريين، أعطى التنظيم رسالة بخروجه من سباته الظرفي بمنطقة القبائل وسط البلاد إلى غربي العاصمة وإلى الشرق، وتزامن ذلك أيضاً مع إحباط الجيش الجزائري على الحدود مع مالي عملية إدخال كمية من الأسلحة والذخيرة كانت موجهة لتموين التنظيم، ما يشير إلى تحركات مكثفة للجهاديين في الساحل الأفريقي، ولا سيما في ظل الامتداد والتكامل مع جماعة بوكو حرام في شمال نيجيريا.

وعلى الرغم من «منافسة شرسة» يخوض غمارها تنظيما القاعدة وداعش، لضمّ مجموعات جهادية محلية تعمل منذ فترة طويلة في المنطقة، انحصر ولاء تلك المجموعات بشكل كبير في الارتباط بالقاعدة، في وقت مارس فيه زعيم «داعش»، أبوبكر البغدادي، محاولات عديدة لاختراق «المرابطون»، التي عرّفت نفسها في بيانها الأخير، بأنها «قاعدة الجهاد في غرب أفريقيا».

ونفى البيان، بشكل قاطع، الأخبار التي تداولت مقتل بلمختار في غارة جوية للطيران الأميركي في درنة الليبية، فيما تصف دوائر استخباراتية غربية الجهادي الجزائري بـ «أقوى الجهاديين في منطقة الساحل».

تنافس جهادي طموح

وبالعودة للتنافس الشرس بين تنظيمي القاعدة وداعش، تظهر جولات الصراع «الفكري والميداني»، محاولات طموحة ومستميتة من الطرفين للسيطرة على قلوب المجاهدين وعقولهم في العالم، من أجل الاستمالة التنظيمية، وإحكام السيطرة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى.

وفيما توسّع نفوذ التنظيمين الجهاديين في عدد من البلدان الواقعة في أتون أزمات ونزاعات مسلّحة، توسعت خارطة الصراع والتنافس القائم بينهما، لتشمل أنحاء كثيرة ومتفرقة من العالم.
وكثيرة هي الأمثلة التي توضح كنه الصراع القائم بين الكيانات الجهادية الرئيسة، في سعيها لرسم خارطة شاسعة المجال تطال مناطق عديدة من العالم، تتنازع فيها تلك الكيانات النفوذ بشتى الوسائل، بداية من مغازلة جماعات متشددة قائمة لمبايعتها وإعلان الولاء لها، وصولاً عند خلق فروع جديدة تابعة لها تحت تسميات مختلفة.

ومن ذلك، وفي سياق منافسته لـ «داعش»، أعلن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في الرابع من سبتمبر عام 2014 عن تأسيس مجموعة جديدة تابعة للتنظيم تحت اسم «تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية»، متحديا «شرعية» إعلان زعيم داعش أبوبكر البغدادي، الذي أعلن نفسه «خليفة للمسلمين»، موضحا أن المنظمة الجهادية الجديدة ستعمل تحت لواء «إمارة أفغانستان الإسلامية»، التابعة بدورها لـ«طالبان».

وتوضح هذه الحلقة تطور الخلاف بين القياديين الجهاديين، الظواهري والبغدادي، بخصوص مسألة إعلان الولاء (البيعة) من تنظيم القاعدة والجهاديين الآخرين ووكلائهم من السلفيين في منطقة الشرق الأوسط وغيرها.

أراضي «داعش» الجديدة

وفي وقت لاحق، وتحديدا في نوفمبر 2014، أعلن البغدادي بدوره عن «توسع داعش إلى أراض جديدة»، بما في ذلك اليمن، وفي 20 مارس الماضي أعلن التنظيم مسؤوليته عن أول عملية كبرى، في ما أسماها بـ «ولاية صنعاء»، التي تضمّنت أربع هجمات انتحارية في مسجدين للحوثيين الشيعة في العاصمة، ما أسفر عن مقتل 142 شخصا على الأقل، وإصابة أكثر من 351 في أعنف هجوم إرهابي في تاريخ اليمن.

ولم يكن الهجوم مجرد ضربة موجعة لأعداء «داعش» من الشيعة فحسب، لكن كان يتنزل أيضا في سياق منافسة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على أرض الواقع.
وتجلّى التنافس الجهادي بين التنظيمين، في شكل آخر على إثر الهجوم الذي طال مجلة شارلي إيبدو الفرنسية في 7 يناير الماضي، حيث أضحى هناك تجاذب واضح بين «القاعدة» و«داعش»، لتبني مثل هذه العمليات، وإثبات أن مَن نفذها يتبع أحد التنظيمين المتطرفين.

فبعد مرور أسبوع فقط على الهجوم، أعلن زعيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ناصر بن علي الأنسي، مسؤولية التنظيم عن العملية، كما أفاد مسؤولون أميركيون بأن الأخوين؛ سعيد وشريف كواشي (منفذي العملية) تلقيا تدريبات في اليمن، بينما أفادت الأنباء، بأن شريف كواشي تم تجنيده من طرف مجموعة موالية لليمني أنور العولقي، أحد أكبر قادة القاعدة في جزيرة العرب، والذي قتل عام 2011 في غارة لطائرة أميركية دون طيار في اليمن.
هذا التبني، الذي أعلن عنه أحد أبرز فروع تنظيم القاعدة لعملية شارلي إيبدو، تزامن مع حادثة أخرى شهدتها الأراضي الفرنسية أيضا في الفترة ذاتها، حيث قام أمادي كوليبالي بقتل امرأة تعمل في جهاز الأمن وأربعة مواطنين فرنسيين في أحد دكاكين البقالة في باريس.

وبعد يومين من وفاة كوليبالي على أيدي قوات الأمن الفرنسية، تمّ نشر فيديو على شبكة الإنترنت، يعلن فيه انتماءه لتنظيم داعش. وفي الفيديو يقول كوليبالي إنه نسق للهجوم مع الأخوين كواشي في عملية شارلي إيبدو.

هاتان الروايتان المتعلقتان بحادثة شارلي إيبدو، تكشفان – وفق عدد من المحللين – أنه على الرغم من حدّة التنافس الجهادي القائم بين داعش والقاعدة، فإن ذلك لا يحول دون إمكانية وجود تعاون بين التنظيمين المتنافسين، وتنسيق مشترك بينهما على أرض الواقع.

صراع إرهابي محتدم

وكان أيمن الظواهري أشار في كتابه، الذي صدر في ديسمبر 2001 بعنوان «فرسان تحت راية النّبي»، إلى أنّ «انتصار الحركات الإسلامية ضد التحالف العالمي لا يمكن أن يتحقق، ما لم تمتلك هذه الحركات قاعدة إسلامية في قلب المنطقة العربية».

وفي سياق هذه الفكرة العامة، توقع الكاتب إيلي كارمن في كتابه «التحالفات بين المنظمات الإرهابية: الثوريون والقوميون والإسلاميون»، أن يسعى الجهاديون إلى تحدّي الولايات المتحدة وحلفائها، عن طريق السيطرة على إحدى الدول المسلمة، لافتا إلى وجود عدد من البلدان (حينها) كانت تبدو مهيأة لمثل هذا السيناريو، وهي:

أولاً، باكستان، التي تمتلك ترسانة نووية وتسيطر الحركات الإسلامية المتطرفة على جزء من أراضيها.
ثانياً، إندونيسيا، التي تضمّ عددا كبيرا من المسلمين، وتتميَّز بشساعة أراضيها وتضاريسها الوعرة، وخاصّة أنها تعيش نوعا من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتضمّ منظمة إرهابية إسلامية صغيرة، لكنها نشطة.
ثالثاً، العراق، حيث تعمّ الفوضى التي خلّفها الغزو الأميركي لأراضيه، بالإضافة إلى تهديد التطرف الشيعي الناشئ حينها، والذي ظهر كقوة بعد تدمير البنية التحتية للبعثيين السّنة بدعم من إيران.
ومن بين هذه البلدان، اختار تنظيم القاعدة العراق، لتركيز حملته ضدّ الولايات المتحدة، وجنّد في سبيل إنجاح مخططه ذاك كل القوى الإسلامية التي كانت موجودة هناك.

ومع ظهور «داعش»، الذي تفرّع بدوره من «القاعدة» في العراق في وقت لاحق، بدأ المخطط الذي تحدّث عنه الظواهري يرى النور ويتجسّد على أرض الواقع، وأضحت موازين القوى تنقسم بين الإسلام المتطرف والإسلام المعتدل، وبين معسكر الإسلاميين الراديكاليين وأعدائهم الغربيين والشرقيين، الذين تمّ تحديدهم على جبهة القتال العراقية. وعلى الرغم من أنّ تنظيم «الدولة الإسلامية»، بإعلانه قيام «الخلافة» قد حقّق شروط الظواهري، فإنه دخل مع تنظيم القاعدة الأم في صراع محموم، من أجل السيطرة على المعسكر الجهادي. بدوره، رفّع تنظيم القاعدة في سياق هذه المنافسة الجديدة من نسق عملياته في مختلف الجبهات، وعلى الرغم من أن أول مغامرة إرهابية رئيسة للقاعدة في شبه القارة الهندية (الجديد) كانت في السادس من سبتمبر عام 2014، التي تتمثل في محاولة اختطاف اثنين من السفن الحربية الباكستانية واستخدامها لمهاجمة السفن الأميركية والهندية قد فشلت، تستمر المنافسة بين القاعدة وتنظيم «الدولة الإسلامية» على جميع الجبهات.

سُلطة راسخة لـ «القاعدة»

وبغض النظر عن تحقيق «داعش» لثلاثة نجاحات إقليمية رئيسة، من خلال دعم بعض الجماعات له، على غرار أنصار بيت المقدس (ولاية سيناء)، بوكو حرام (ولاية غرب أفريقيا) ومعقل «داعش» في مدينة درنة الليبية (ولاية برقة)، لا تزال بالمقابل سلطة القاعدة راسخة عبر تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في اليمن، وحركة الشباب في الصومال والقاعدة ببلاد المغرب الإسلامي في شمال أفريقيا، وهو ما ينبئ بأنّ الصراع بين التنظيمين مازال متواصلا، وسيمتدّ على فترات طويلة لاحقة ويشكل تهديدا كبيرا على الأمن والسلم العالميين، ولاسيما مع وجود فرضية قوية تفيد بتنسيقهما مع بعضهما بعضها.

لعل أبرز أمثلة ذلك التنسيق، ما يظهر على مسرح العمليات في سوريا، التي شهدت موجات متزايدة من العنف بين التنظيمين، لإحكام السيطرة والنفوذ، وبالتعاون مع تنظيمات جهادية مختلفة تتوزع ولاءاتها بين «داعش» و«القاعدة».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *