الرئيسية » قضايا وآراء » يوسف عباس شمساه : البدون .. وباعة الأرصفة

يوسف عباس شمساه : البدون .. وباعة الأرصفة

يوسف عباس شمساه
يوسف عباس شمساه

أصعب اللحظات، وأكثرها مرارة، هي تلك التي تريد فيها سرد حالة هزيلة ضعيفة تتصارع مع نفسها، من أجل الحفاظ على ما تبقى من كرامتها وإنسانيتها، وتلك التي تقرر فيها تجسيد واقع لم تعد أبصار الناس، ولا بصائرها، تراه وتشاهده من منظوره الحقيقي، فحين يحكم عليك لتكون «بدون» كل شيء إلا ألم ومعاناة ومشقة وتخوين وإهانة وذل وحرمان، تتجه بتضرعك إلى السماء، راجيا إيجاد شفقة تعيش تحت رحمتها، لعلها تفتح لك أبواب الأمل، الذي لم تعد تعرف معناه.

ففي إحدى المحطات الإذاعية، تناول المذيعون ظاهرة باعة الأرصفة والإشارات المرورية، حيث يشكل الأطفال غالبية هؤلاء الباعة، مطالبين «الداخلية» بتفعيل القانون، بالإمساك بهم وبآبائهم، ومصادرة «حلالهم»، لأنه يُعد من جانب، انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان، من ناحية تعرض الباعة لأشعة الشمس الحارقة، ومن جانب آخر، يعد انتهاكا للمواثيق الدولية المصادقة عليها من قِبل الدولة، الخاصة بحقوق الطفل، باستخدام براءة الأطفال لأغراض العمل الشاق.

وللأسف، مَن يستمع لطريقة حديث المذيع، يكتشف حجم تغييب العقل في تصديق أن الكويت بالفعل بلد إنساني ووجه من أوجه مدينة أفلاطون الفاضلة، لذلك لابد من وقفة «واقعية» هنا.

هؤلاء يا سيدي ولدوا وترعرعوا وضحوا بأرواحهم وأنفسهم، لخدمة بلدك المركز الإنساني، فقوبلت تضحيتهم بعدم اعتراف بهم.. فبعد كل الذي قدموه لهذا الوطن، من نفس ومال في الغزو، ودم وروح، حين استهدف موكب الشيخ جابر، يعرفهم الوطن على أنهم مقيمون بصورة غير قانونية.

هؤلاء يا سيدي، تاجر بهم نواب الأمة ومسؤولو الدولة أكثر من متاجرتهم بالمال.

هؤلاء يا سيدي، يقضون نصف يومهم تحت أشعة شمس حارقة، ونصفه الآخر تحت ظلام دامس، كي يحصدوا مبلغا، يعادل الذي تصرفه على كوب قهوتك الفاخرة.

هؤلاء يا سيدي، في الوقت الذي تفكر فيه بمشاركة طاولة بأحد المطاعم الفخمة مع أصدقائك، يقومون بتقسيم الخبز بينهم، كي تسير بهم عجلة حياة العدم، التي لا تجرؤ حتى على تخيُّل معالمها.

أما بخصوص أطفال البدون «الباعة»، فقد اختصر نجيب محفوظ حالهم، حين قال «وأحلام الأطفال قطعة حلوى، وهذا الطفل يبيع حلمه»، فهذا والله ما نراه عند إشارات المرور، من تجول للأطفال بين السيارات، لبيع ما يؤنس ويفرح أطفالنا.

يقول جبران خليل جبران: «لا تتعلق بنصف أمل.. ولا تعش نصف حياة»، وهي دعوة للتفاؤل والسعي وراء الأحلام، لحين تحقيقها.

وبالنظر إلى حال «البدون»، تلاحظ أنهم لا يملكون أملا، كي يتشبثوا به كله بدل نصفه، وليس لهم حياة، كي يرفضوا عيش نصفها.. إنسانية البعض المقلوبة تجلت في عدم الالتفاف إلى انتحار شاب «بدون»، للخلاص من هذا الظلم، كما حدث قبل أيام، وعدم مطالبتها بإعطاء هذه الفئة حقوقها المسلوبة وتوفير أبسط سبل العيش الهنيء والكريم، من مسكن ومأكل وصحة وتعليم و«آدمية»، في حين تدعو إلى التضييق عليهم، وحرمانهم من الكسب الحلال باسم الإنسانية وحقوقها!

فتبا لعيش مترف يعطي صاحبه الحق بقلب موازين الحياة، وتصديق ألقاب ومسميات أخذت برائحة الدينار!

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. لعل من روائع الادب الصحفي ، و أخلاقياته … الذي يُستل من مقالات ( الطليعة ) … أخال أن تصنف هذه المقالة ؛ لأنها تعكس ، و بدون مواربة الحس الانساني لقضية طمسها الاستبداد الاجتماعي قبل السياسي . كما انها بتلقائية و عفوية تجسد فلسفة الليبرالية الديمقراطية بمصداقية منقطعة النظير ؛
    فلطالما تشدق متنوع الاطياف السياسية وعموم مكونات المجتمع الكويتي بأطروحات و تأميلات بصدد رفع معانات هذه الفئة المسحوقة الكادحة … لا ثمرة لها ، على قلتها ؛ فهم يداهنون المجتمع من أجل استدرار نفعه لهم … حسياً كان ، او معنوياً !
    امّا ما خطه يراع ، الاستاذ الفاضل ، هنا ، فهو يمثل في الاصطلاح المتداول … فتح النار على سلبيات الناس و قصورهم …. لا بل ، و مشاركتهم في زيادة آلام ، وفداحة مصاب اخواننا … الكويتيين المظلومين … البدون !
    قد كنت عقدت العزم ألّا اعلِّق …. و لكن لم اتمكن من ذلك ،هنا ، امام هذا الفيض الانساني الطافح … لنصرة المظلوم ؛ و ما عجزت عنه قوى مستقوية … سطّره قلم ؟!!!

  2. لاشك أنها مقالة أكثر من رائعة لكاتب مبدع كويتي يلتمس مشاكل المجتمع الكويتي بدون مواربة اوزيف ..وفقك الله لما يحب ويرضي..

  3. د.شاكر حمزه الهزيم

    الله يوفقك دوم وتكون نصير للمظلوم. واعلم وان تكرهو شئ فهو خير لكم، قد يكون توفيقاتهم البدون الحقيقيين في نشاط الحر وكما هو ينقل بالروايات أهل البيت عليهم السلام تسع أعشار الرزق بالتجاره. والله ولي التوفيق وثق تماما اخلاص العبد بعبادة الله يجعل له مخرجا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *