الرئيسية » محليات » “الطليعة” رافقت رحلة إحياء ذكرى الغوص الـ27

“الطليعة” رافقت رحلة إحياء ذكرى الغوص الـ27

رحلة الغوص أعادت ذكريات الأجداد
رحلة الغوص أعادت ذكريات الأجداد

كتب آدم عبدالحليم:
المسيلة، دسمان، الماشوه ظبية، مشهور، مملكة البحرين، وغيرها من المحامل «السفن الشراعية»، التي فكَّت حبالها من المرسى، لتلاطم أمواج البحر، وتشق طريقها إلى الهيرات، من أجل صيد اللؤلؤ، وعلى متنها شباب يعشقون البحر.

وقد عزم هؤلاء الشباب على محاكاة رحلات الأجداد وإحياء ذكراها، التي توقفت مطلع الخمسينات مع بداية ظهور النفط، وكانت تخرج في الأول من يونيو من كل عام إلى الأول من أكتوبر، للبحث عن اللؤلؤ، مصدر رزقهم الوحيد في ذلك الوقت في ظروف شاقة.

المحامل بأنواعها المختلفة.. «بوت وجالبوت وبتيل وشوعي وسنبوك»، المشاركة في الرحلة، ليست كمحامل الزمن الغابر، لكنها مراكب شراعية مزوَّدة بأجهزة لاسلكية ونواخذة «بمثابة قائد للرحلة»، يقودهم من داخل «لانش» يتتبع مسيرتهم، ينادي في جهازه اللاسلكي طوال الرحلة، ليرشدهم إلى خط السير، الذي بدأ بعد انطلاق دشتهم من رأس الأرض إلى «الهيرات» بمدينة الخيران.

«الطليعة» رافقت رحلة إحياء ذكرى الغوص، التي تنظمها لجنة التراث في النادي البحري، برعاية سمو أمير البلاد، تحت شعار «هذولا عيالي»، ليوم كامل، واقتربت من الشباب البحارة أثناء إبحارهم، ومن نواخذة الرعيل الأول ومسؤولي النادي البحري، وشاهدت مراحل الرحلة، التي بدأت بالدشة، ثم المطارحة، والغوص وصيد اللؤلؤ والفلاق وجمع الحصيلة والقفال والعودة مرة أخرى إلى الديرة.

الدشة

في البداية، التقت «الطليعة» صالح العبدالهادي، أحد البحارة الشباب المشاركين في الرحلة، ووصف لنا الدشة، فقال: هي النقلة التي ننتقل فيها كبحارة بالمحامل من مكان البداية إلى مكان الغوص «الهيرات».. وبالطبع، الغوص يكون من أجل استخراج اللؤلؤ الموجود في المحار بباطن البحر.

الفلاق

وأضاف العبدالهادي: تعقب مرحلة جمع المحار من البحر مرحلة «الفلاق»، وهي عملية نقوم من خلالها بفلق المحار إلى نصفين، لاستخراج الحصيلة، بأنواعها المختلفة.. وللعلم، اللؤلؤ المستخرج أنواع، يأتي في المقدمة من حيث الحجم السـحتيت، والجمـع سـحاتيت، وهـي صغار اللؤلؤ، ثم القماشة، وهي أكبر حجما، ثم الحاصباة، فالدانة، وهي ذات الأحجام الكبيرة.

وللأسف، لا يوجد في تلك المنطقة تلك النوعية، وعلينا، إن أردنا أن نستخرجها، أن نغوص أكثر في عمق البحر.

وأوضح أن الدشة تبدأ برحلة من رأس الأرض بالسالمية إلى هنا «الهيرات» بحراً عن طريق المحامل، وفق طقوس معينة، ويختلف زمن الرحلة في الوصول إلى الهيرات من السالمية، وفقا لطبيعة الرياح والأمواج وحالة الطقس بشكل عام وحالة المراكب، وعادة ما يكون زمن الرحلة في المتوسط تسع ساعات.

بعد الوصول إلى الهيرات «نطارح» ونأخذ راحة من الرحلة، ونستعد لمرحلة الغوص، التي تبدأ في السادسة من صباح اليوم الثاني، للخروج إلى الهيرات، وهي مناطق محددة للغوص، ومفردها هير، ومنها هيرات حد حمارة، وإقمعة، القوع وغيرها.

اختلاف ظروف الغوص

وعن اختلاف ظروف الغوص الحقيقي للأجداد والآباء عن ظروف الرحلة، قال العبدالهادي: بالطبع، الأوضاع حاليا تختلف عن السابق، وقد كان الغواصون يسافرون للغوص، بعيدا، للبحث عن اللؤلؤ، لأجل لقمة العيش، لأنها كانت مهنتهم الوحيدة «العمل في البحر»، عكس رحلتنا الحالية، والتي هي بمثابة نموذج مصغر لرحلات الأجداد.

وأضاف: نحن نحيي ذكرى أجدادنا السابقين في رحلاتهم السنوية للغوص، حفاظا على التراث والتقاليد، لكي يعرف الشباب، ومَن لا يدرك تلك المرحلة الزمنية، كيف كانت رحلات الرعيل الأول.

ولفت العبدالهادي إلى أن المؤسف إهمال البحر عن عمد، على الرغم من التقدم الكبير في التكنولوجيا وأدوات الصيد، ولم يعد أحد يبحث عن اللؤلؤ، الذي فقد قيمته، وقد يصل بنا الأمر إلى أن يتوه تاريخ الأجداد، ولا نجد من يحافظ عليه.

200 شاب

وعن عدد الشباب المشارك في الرحلة، قال العبدالهادي: إعداد البحرية يقارب من 200 شاب، بالإضافة إلى ما يقارب من 30 «مجادمة» (رؤساء البحارة)، إلى جانب النواخذة، وعددهم 12 بنفس عدد محامل الرحلة.

وعن تاريخه مع الرحلة، أكد العبدالهادي، أنه التحق للمرة الأولى بالدشة منذ 10 سنوات لأهداف شخصية، إلى جانب أهداف أخرى تتمثل في اكتسابي لصفات البحارة والنواخذة، فقد استفدت كثيراً، من خلال تعاملي مع البحر على المستوى الشخصي، وأضافت تجربة العشر سنوات قيماً ومهارات في التعامل مع الآخرين، ولا سيما على صعيد التحمل والصبر وعدم استعجال الرزق أو النتائج، معرباً عن سعادته، لمشاركته في تلك الرحلة مع جده وخاله وبقية المشاركين.

اختلاف

وفي المقابل، اعتبر النوخذة خليفة راشد «بوعدنان»، أحد نواخذة الرعيل الأول، أن رحلة الغوص الحالية تختلف، كمَّاً وكيفاً، عن رحلات الغوص التي كان يقوم بها مع زملائه النواخذة السابقين، فما يحدث حاليا بمثابة ترفيه، مقارنة برحلاتنا السابقة، التي كانت مهنة لنا، من أجل لقمة العيش.

وأشار إلى أن الشباب الذي أمامنا حاليا هم شباب في عمر الزهور، تطوَّعوا في محاولة منهم لتجديد الماضي والحفاظ على التراث، حباً منهم للبحر وتاريخه، بعيدا عن التعب والمرارة وحرارة الصيف، التي كنا نعانيها لشهور عديدة، فقد كانت الدشة تبدأ من أول يونيو، وتنتهي في الأول من أكتوبر، نخوض خلالها حروباً مع الظروف الصعبة التي كانت تواجهنا باستمرار.

وعن مفهوم الدشة، قال: تعني في عرفنا «الطالعة»، إيذانا ببداية العمل، نخرج من الديرة إلى الخفجي والهيرات الأخرى، للبحث عن اللؤلؤ.

وللعلم، أثناء البحث عن اللؤلؤ، كنا نتقابل مع أشخاص من البحرين والسعودية وعمان والإمارات، قدموا سعيا للرزق، وكنا نتعامل معهم، كتعامل الأسرة الواحدة.

وأضاف بوعدنان: هناك ميزة من إحياء الشباب لتلك الرحلة سنويا، على الرغم من عمر الرحلة القليل والمناطق المحدودة التي تذهب إليها المحامل، ولن يدرك تلك الميزة سوى أهل البحر والذين يمتلكون تاريخا مع رحلات الغوص، واطلعوا على حياة الأجداد، وكيف أنتجوا في ظروف صعبة.

وفي سؤال حول إعادة دشة الماضي بنفس أدواتها وظروفها، فهل سيكون هناك لؤلؤ؟، قال بوعدنان: بالطبع، سنجد الكثير من اللؤلؤ، فالخليج، والحمد لله، مليء به، لكن ما سيختلف هو قيمته، فسعر اللؤلؤ حاليا ليس كسعره الباهظ في الأربعينات والخمسينات، فزراعة اللؤلؤ واتجاه السوق إلى المجوهرات والأحجار الكريمة أثر سلبا في سعر اللؤلؤ كثيرا.

واختتم بوعدنان حديثه، قائلاً: يحز في نفسي، أن يتوقف البحارة عن البحث عن اللؤلؤ منذ مطلع الخمسينات، بعدما اكتفوا بالوظائف والحياة المدنية العادية.

وللعلم، البحث عن اللؤلؤ مهنة خليجية بحتة لأهلها فقط، وممنوع على أي جنسية خارج دول الخليج الاشتغال بها، والظروف الحياتية العادية أدَّت إلى اندثار المهنة، بل تلاشيها تماما، ولم يعد هناك مَن يبحث عن اللؤلؤ.

التمسك بماضي الأجداد

من جانبه، قال أمين سر مجلس إدارة النادي البحري خالد الفودري: لا شك أن هناك ضرورة ملحة لإعادة تجربة الغوص سنويا، من قِبل الشباب، وأهمها أن نظل على اتصال بتراثنا القديم، مبيناً أن الأمر بمثابة إصرار من جانبنا على التمسك بماضي أجدادنا وآبائنا عن طريق إعادة جزء، ولو كان بسيطاً جدا، مما كانوا يقومون به في السابق عندما كان البحر يجمع كافة شرائح المجتمع لهدف واحد، وهو البحث عن الرزق وفق قوانين.

وعن تقييمه للرحلة، أكد الفودري أنها الرحلة رقم 27 من العطاء للنادي البحري، رحلة العام الحالي رحلة مميزة عن رحلات السنوات السابقة، سواء على صعيد المشاركة من البحرين والإمارات، فضلاً عن عنوان الرحلة «هذولا عيالي»، والتي أردنا أن نؤكد من خلال اختيارنا للاسم على وحدة شرائح ومكونات الشعب الكويتي بعد حادثة مسجد الامام الصادق.

وعن حصيلة اللؤلؤ، قال: الحصيلة تعرض على صاحب السمو أمير البلاد بعد انتهاء الرحلة، والنادي البحري يمتلك حصيلة كبيرة منذ عشر سنوات مجمَّعة في بنك خاص بالنادي، ونحن لا نفكر في القيمة المالية للحصيلة، لكن كما قلت، الرحلة، بما تحتويه لها، قيمة معنوية كبيرة، وسنهدي ما لدينا من لؤلؤ للمتحف لعرضها هناك.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *