الرئيسية » آخر الأخبار » البلد على مفترق طرق.. وعلى السلطة أن تبادر إلى تنقية الأجواء

البلد على مفترق طرق.. وعلى السلطة أن تبادر إلى تنقية الأجواء

خلية العبدلي حزب اللهمحمد العجيري:
تطور الأحداث الأمنية الأخيرة، وردود الفعل عليها، يُثير الكثير من القلق، وينبئ بتطورات مستقبلية غير مطمئنة، بل خطيرة.

ما حدث كان متوقعاً، لمن كان يراقب، بتمعن، ما يجري حولنا.. فتسارع وتيرة العنف والدمار، من الممكن أن يغطي مجمل المنطقة، ولن تسلم منه دولة واحدة، وإن اختلفت درجات تأثرها به، ما يجعل من مسألة اشتعال المنطقة برمتها مسألة وقت، ما لم يتم تدارك الأمر، والتعامل مع ما يحدث بمسؤولية وتنسيق جديين بين دول الإقليم، بعيدا عن المصالح الضيقة لكل دولة.

ما يعنينا بالدرجة الأولى، وما نحن بصدده، هو الحال عندنا في الكويت.. فمن الواضح أننا نقف على سطح صفيح ساخن، لا نعلم متى سينقلب ويستعر ما تحته، ليأكل الأخضر واليابس.

مَن تابع ما تم تداوله من تعليقات على حادثة تفجير مسجد الإمام الصادق، أو اعتقال أفراد الخلية، التي اكتشف بحوزتها مخزون كبير من الأسلحة الحربية، يمكن أن يلحظ عمق الهوة بين مكونات هذا المجتمع، وعظم الشرخ، الذي بات يهدد سلامته، ومصير البلد بأكمله.

حرب ضروس

هذا ليس تهويلا أو مبالغة، فما تم تبادله عبر وسائل التواصل ليس حوارا عاديا بين مغرّدين، لكنها حرب ضروس بين مكونين لهذا المجتمع.. كلٌ يبرر موقفه، ويتهم الآخر بالخيانة وعدم الولاء لهذا الوطن، وما زاد الطين بلة، أن أصواتاً نشازاً لأناس من المفترض أن يكونوا أكثر حكمة وتقديرا للمسؤولية، كونهم يمثلون الأمة، وليس طائفة أو فريقا، أخذت تعلو، في محاولة للتبرير أو التهوين من عظم ما حدث تارة، أو التهديد والوعيد لرجال الأمن والمكلفين بمتابعة هذه القضية تارة أخرى.

الحصاد المُر

إن النظر بموضوعية لما يحدث أمامنا هذه الأيام، يكشف بوضوح، أننا نعيش فترة حصاد مُر، لما بُذر خلال سنوات عديدة مضت، فقد تمَّت زراعة آفة الفُرقة والضغينة بين مكونات المجتمع، ومن ثم إثارة التناقضات الاجتماعية والدينية، بطريقة ممنهجة، من أجل تحقيق أهداف سياسية ضيقة، لا تصبُّ في صالح البلد، ولا أهله، وإنما لتجعل السلطة تتحكم وتسيطر على تسيير الأمور، كما تشتهي، من دون رادع أو رقيب.. فتارة تحابي هذه الجماعة، وإذا تغيَّرت الظروف، انقلبت إلى الفئة الأخرى، وهذا بالطبع أدَّى إلى تراكمات واحتقانات تفتقت عنها أمراض مزمنة يصعب شفاؤها، باعتبارها نمت وتفشت في بيئة ملوثة وغير صحية.

فبعد انقلاب السلطة على الدستور، وحلّ البرلمان للمرة الأولى عام 1976، أُغلقت بعض الهيئات، وقُيد نشاط أخرى، ممن صنف كمعارضة للسلطة، على الرغم من أنها كانت تضم أعضاءً من كل الشرائح والأطياف الاجتماعية، وتمارس أنشطتها بأسلوب ينمُ عن وعي وطني ومسؤولية تجاه الشأن العام، وقد ترتب على هذه الأفعال تغيُّر في البنية الثقافية والسلوكية للمجتمع، بعد أن احتضنت السلطة جماعات الإسلام السياسي لفترات طويلة، من أجل ضرب القوى الوطنية، فأطلقت يدها في كل مناحي الحياة، لتستولي على مؤسسات الدولة؛ التربوية والتعليمية والاقتصادية، وتنشئ الجمعيات والهيئات في كل زاوية وحارة (الكثير منها من دون ترخيص، وفق تصريحات المسؤولين)، بتشجيع ورعاية من الدولة، كما تم العبث بمناهج التعليم، وبتواطؤ مفضوح من السلطة، أصبح التيار الديني وصياً على سلوك الناس، لينشر فهمه الأحادي للدين، ولتبرز نتيجة لذلك النعرات والاصطفافات المذهبية والقبلية، فأخذت الشروخ تتعمَّق وتتفاقم، ولم تحرك السلطة ساكناً لاحتواء الأمر، لأنها كانت ترى الصورة بمنظار المستفيد من الوضع، حيث لن تتمكن أي فئة منفردة بعد الآن من أن تشكل عبئاً أو خطراً عليها، وغدا بالإمكان، وبسهولة، ضبط الأمور مع كل جماعة على حدة، وهذا ما عشناه ولمسناه خلال السنوات الماضية، التي تم خلالها تعطيل الحياة النيابية مرات عدة، وتعطيل العمل ببعض مواد الدستور، وسنّ قوانين لتعديل الدوائر الانتخابية، بما يضمن وصول مجموعات معينة موالية، ولتفتيت المجتمع إلى تجمُّعات قبلية ومذهبية، ونتيجة لذلك، تمَّ تمرير سرقة الناقلات والاستثمارات الخارجية، وحورت لجنة التحقيق في الغزو الصدامي للكويت إلى لجنة تقصي حقائق (لا تهش ولاتنش)، ومرَّت قضية الإيداعات والتحويلات، التي اتهم فيها العديد من أعضاء مجلس الأمة، آنذاك، مرور الكرام، ولم تتم محاسبة أي وزير أو مسؤول من المتجاوزين للقانون، بل إنه من المضحك المبكي، أن بعض المتهمين والمتورطين في قضايا الإيداعات والتحويلات تربَّعوا على منصة التشريع والرقابة، وأصبحوا يلقون دروساً ومواعظ في الشرف والأمانة، ويتباكون بحرقة على هدر المال العام!

طريق الهاوية

إن الاستمرار على هذا النهج، لن يؤدي إلا إلى الهاوية والانتحار، ولن يكون بمقدورنا أن نأمن على سلامة بلدنا من التمزق.. وما سلوك الجماعات التي مارست العنف وانكشاف علاقتها بتنظيمات خارجية، إلا نتيجة حتمية لهذا الوضع المهلهل، فكل جماعة تحاول الاستقواء بالخارج، وبمن تعتقد أنه يمثلها فكرياً، ولديه الاستعداد لدعمها فعليا، سواءً كان ذلك بالمال أوالتدريب أو السلاح، وما نشرته الصحف من معلومات بثتها وزارة الداخلية أو النيابة العامة، يوضح بما لا يدع مجالا للشك، كيف تسير الأمور ومدى خطورتها.

لمّ الشمل

نعتقد أن المسألة أصبحت معقدة وصعبة، لكن ليس من المستحيل معالجتها، إذا توافرت النية الصادقة والإرادة الصلبة لذلك، فالكويت تضمُّ الكثير من أصحاب الإمكانات والفكر النير والمنفتح، ممن لم يتلوَّثوا بالفساد وهاجس الجري وراء المصالح الخاصة، وممن يمثلون جميع فئات ومكونات المجتمع، جميعهم لديهم القدرة على أن يساهموا بإخلاص، ومن دون رجاء لحمدٍ أو شكر، في لمّ شمل أهل البيت الواحد، والنهوض بالبلد، وإخراجه من هذا المستنقع المقيت، لكن هذا يتطلب أولا، أن تهيئ السلطة الجو المناسب لذلك، ببث روح العفو والتسامح.. ليس بالكلام والتصريحات الإعلامية الفضفاضة، بل بالفعل الشجاع، لإزالة الغمامة السوداء عن سماء وصدور أهل الكويت.. عليها بداية أن تصدر أوامرها بالعفو العام عن سجناء الرأي والخصوم السياسيين السلميين، ووقف ملاحقة أصحاب الرأي المخالف، ومن ثم تعيد الاعتبار للدستور وتطبيق القانون، لكي يشعر المواطنون، جميعاً، بأنهم شركاء فعليون في هذا الوطن، وليسوا رعايا مهمَّشين، كما يجب التعامل مع الأحداث بشفافية، وفق ما يسمح به القانون، وأن تسمى الأشياء بمسمياتها، من دون الرضوخ لأي ضغوط خارجية أو مداراة، لاعتبارات سياسية محلية، فالمواطنون كونهم شركاء، لهم كل الحق في معرفة ما يحدث، كي يشعروا بالأمان، بمنأى عن التأويلات والإشاعات، ولكي يستعيد الجميع الثقة بقدرة وكفاءة السلطات المختصة على التعامل فعليا مع أي مستجدات، ضمن استراتيجية واضحة المعالم وشاملة لكل ما يتطلبه ذلك، من أجل إعادة أمور البلد إلى مجراها الصحيح، مهتدين بما تعاقد عليه أهل الكويت في دستور 62 كاملا غير منقوص.

نحن أمام مفترق طرق، لا ينفع معه التردد أو المجاملة، ولا ردود الفعل الآنية، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فالمسؤولية التاريخية على مَن بيدهم الأمر بالغة، وحق المواطنين بالعيش الآمن الكريم مطلب إنساني مستحق.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *