الرئيسية » سعاد فهد المعجل » سعاد فهد المعجل : العقل الفقهي المتوارث

سعاد فهد المعجل : العقل الفقهي المتوارث

سعاد فهد المعجل
سعاد فهد المعجل

في خضم الحروب الدموية التي حولت معها أربع دول عربية إلى دول فاشلة: العراق وسوريا واليمن وليبيا.. وسط كل هذه المآسي والصراعات العبثية وتنامٍ مخيف لثقافة الكراهية والرغبة في الانتقام، ممن يختلف معنا فكريا أو عرقيا أو مذهبياً، ووسط كل هذا المشهد المخضب بالدماء والجهل، نسعى دائماً، شعوريا أو لا شعوريا، إلى مقارنة عالمنا العربي هذا بعوالم أخرى تضم شعوباً يختلف الناس فيها، فكرياً، لكن لا أحد يقطع رقبة الآخر، وتتباين فيها الأديان والممارسات العقائدية، لكن لا أحد يفجّر معبداً، ولا يحطّم معلماً دينيا، تختلف فيها الأعراق والألوان، لكن لا أحد يهضم حق غيره، ولا ينتهكه، قد يجيب أحد، بأن سلاسة العيش في تلك المجتمعات قد تحققت بسلاح القانون، الذي يرصد تجاوز الكبير قبل الصغير، وتلك مسألة حقيقية، إلى حد كبير، فالقانون فيها هو مسطرة الحق، لكن هناك أمورا أخرى تجعلنا، كعالم عربي، نختلف عن بقية العوالم، ونغوص إلى أخمص أقدامنا ببحيرات من الدم والكراهية والعنف. نحن في العالم العربي، لا نعاني غياب القانون ونفوذه، وإنما نئن تحت وطأة وسطوة عقلية رسخها فقه قديم وتداخلت – مع مضي التاريخ والوقت – بالدين، حتى أصبحت الدين ذاته، فأصبحت قيم البداوة التي تحط من قيمة المرأة وتسفها قيماً من قلب التشريع الاسلامي، على الرغم من أنها ليست كذلك!

وأصبح التفكير والإبداع بدعة، وكل بدعة ضلالة، في تفسير حرفي ساذج ومضلل.

العقل العربي (الصحيح) أصبح مع الوقت، هو العقل الذي يقبل الوصاية، ويستكين للتبعية، ويخشى أكثر ما يخشى الخروج عن «فقه» التلقين، حتى لا يتهم بالزندقة والكفر.

العقل «المسلم» الذي يسيطر على سائر الذهنية العربية السائدة اليوم، هو العقل الذي يجتر حديث فقهاء ودعاة أغلقوا، وأحيناً حرَّموا الانفتاح على أي مكتسب حضاري جديد.

العقل «الفقهي» اليوم أصبح يمارس الرقابة المطلقة على سائر العقول العربية، فهو الذي يملك صكوك الحرام والحلال، وهو المخول لكي يتجسس على القلوب والنفوس، ليحاسب المقصّر، أو الخارج عن التقليد الفقهي المتوارث.

إذاً، ليس القانون وحده هو ما يميّز الغرب عنا، بل هو تحرر العقل الغربي، وريث ملَكَة الشك والفحص والتأمل من العقل اليوناني، هو الذي جعلنا دولاً فاشلة، بينما تحوَّل هو -أي الغرب- إلى دول مبدعة ومنتجة.

«داعش» وغيره أنموذج لسلطة العقل «الفقهي» التبعي، الذي رفض دعاة العقل في القرن الأول الهجري وحاربهم وعزلهم، وتمسك بدعاة النقل الذين جمَّدوا القرآن والتشريع، على الرغم من صلاحيته لكل زمان ومكان، هذه هي مشكلتنا الحقيقية، فمن يعلق الجرس لإعلان حلها؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *