الرئيسية » قضايا وآراء » محمد نعمان نوفل : مناورة أوباما في مواجهة تغيُّر المناخ

محمد نعمان نوفل : مناورة أوباما في مواجهة تغيُّر المناخ

مراقبأعلن الرئيس باراك أوباما، في 3 أغسطس، عمَّا وصفه بخطة غير مسبوقة، لتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 32 في المائة من مستويات الانبعاثات عام 2005 خلال 15 سنة من محطات توليد الكهرباء، وذلك بإحلال مصادر الطاقة النظيفة، مثل طاقة الرياح والطاقة الهيدروليكية، محل الفحم الحجري، وإن كانت مبادرة الرئيس الأميركي لم توضح إن كانت ستستخدم أنواع أخرى من الوقود الأحفوري، بدلا من الفحم الحجري، أم لا، وإن كان من المرجح أن يلجأ لاستخدام الغاز الصخري، كمصدر أقل تلويثا من الفحم.

لقد طرح أوباما مشروعه، كتحد لمواجهة ظاهرة تغيُّر المناخ، والتزام أخلاقي على هذا الجيل، وتعبير عن المسؤولية العالمية للولايات المتحدة، بل إنه يعتبر المشروع بمثابة تحرك للولايات المتحدة لقيادة العالم، لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري وحماية الكواكب.

واقع الحال، أن الولايات المتحدة لم تصادق على بروتوكول كيوتو للحد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري منذ وقعت عليها حكومة الرئيس كلينتون عام 1998، ودخلت المعاهدة حيّز التنفيذ عام 2005، من دون مشاركة من الولايات المتحدة، التي كان عليها الالتزام بتخفيض الانبعاثات لأقل من مستوى انبعاثات عام 1990، بنسبة 93 في المائة، طبقا للملحق (باء) من بروتوكول كيوتو.

في عام 2009 في مؤتمر كوبنهاغن ذهب الرئيس الأميركي أوباما، كي يتحلل من التزامات كيوتو، ويعد بتقديم تخفيض للانبعاثات، بناءً على مستوى الانبعاثات عام 2005، وهو ما رفض تماما في كوبنهاغن، ووصف وقتئذٍ بعدم مقدرة الدولة العظمى على تحمُّل مسؤولياتها العالمية.

ورغم المزايدات الصينية في كونبهاغن، فإن الصين لم تقدم أي التزامات جادة. والمعروف أن كلا من الولايات المتحدة والصين مجتمعتين مسؤولتان عن 44 في المائة من جملة الانبعاثات العالمية المسببة للاحتباس الحراري (23 في المائة للصين، 19 في المائة للولايات المتحدة).

خطوة الرئيس الأميركي الأخيرة لا تخرج كثيراً عن المناورة التي ذهب بها إلى كوبنهاغن عام 2009، حيث أبدى التزام الولايات المتحدة لتخفيض الانبعاثات من محطات توليد الطاقة بنسبة 23 في المائة على أساس حجم الانبعاثات عام 2005، وهو ما رفض بشدة، اليوم يرفع النسبة قليلا إلى 32 في المائة.

وبحكم أن انبعاثات محطات توليد الطاقة مسؤولة عن 31 في المائة من حجم الابنعاثات في الولايات المتحدة، فإن القيمة العملية لخطة أوباما «الطموحة، والأخلاقية» لا تزيد على تخفيض للانبعثات الإجمالية بنسبة 10 في المائة تقريبا، مقارنة بمستوى الانبعاث عام 2005، إذا كان هذا هو منتهى ما تستطيع الولايات المتحدة تقديمه كثاني أكبر ملوث في العالم، وما تريد أن تقود العالم تجاهه، فإن تهديد كوكب الأرض، بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري، لا يزال قائما، ولا توجد في الأفق، والأمر كذلك، بادرة أمل في حلول قريبة.

الرئيس الأميركي، بهذه المناورة المكشوفة، يحاول استباق الأمور، ووضع العالم أمام الأمر الواقع، قبل مؤتمر تغيُّر المناخ القادم في ديسمبر 2015 في باريس، بل يدعو الصين كي تحذو حذوه، وربما قامت هذه الدعوة بناءً على تفاهمات ما في مفاوضات المناخ، التي حدثت مع الصين في الزيارة الأخيرة لأوباما.

إن هدف مؤتمر باريس 2015 وضع بروتوكول إطاري جديد، بعد انتهاء بروتوكول كيتو عام 2012، وبناءً على طلب الولايات المتحدة، ستضم للبروتوكول الجديد الدول النامية التي تحملها الولايات المتحدة مسؤولية كبرى عن الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري (والتركيز هنا على الصين والهند بطبيعة الحال)، لكن إذا دخلت الولايات المتحدة كقائدة للعالم، كما أعلن أوباما في 3 أغسطس، فإن البروتوكول القادم سيكون أضعف كثيرا عن بروتوكول كيوتو، لن يقدم أي بارقة أمل لتخفيض معدلات تفاقم الظاهرة المناخية الخطرة، وستفشل الجماعة الإنسانية بالتأكيد في الاستقرار عند هدف الوقوف بارتفاع حرارة الأرض عند درجتين مئويتين فقط.

ورغم اعتراضنا على هذا الهدف، لكونه غير أخلاقي، ويرحل غالبية التأثيرات السالبة لظاهرة تغيُّر المناخ إلى بلدان الجنوب، ويسمح لبلدان الشمال بالاستفادة من بعض مميزات تغيُّر المناخ عند هذا المستوى من ارتفاع درجة الحرارة، المتمثلة بزيادة انتاج الحبوب بنسبة 20 في المائة، فإن مستوى 2 درجة مئوية، هو آخر مستوى لارتفاع الحرارة قبل حدوث الكارثة، لذلك هو رهان خطر جداً، وأناني جداً جداً.

خطة الرئيس الأميركي لا تضمن، حتى الاستقرار عند مستوى ارتفاع 2 درجة مئوية، وتعرض الكوكب للمزيد من الخطر، وإذا أضفنا لهذه الخطة العجيبة، نية مقاومتها من شركات محطات توليد الكهرباء المعتمدة على الفحم، وكذلك نقابات العمال العاملين في هذه المحطات، فنحن أمام خطة غير مضمونة النتائج، فضلا عن تواضعها الشديد، وهي لا تعدو في النهاية سوى مناورة مكشوفة جديدة لا تختلف كثيرا عن مناورة كوبنهاغن عام 2009.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *