الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : كيف يتربى الأطفال العرب؟

ناصر العطار : كيف يتربى الأطفال العرب؟

ناصر العطار
ناصر العطار

إن تربية الأطفال، مهمة ترهق الأعصاب، وتسبب النرفزة دائما.. هذه العبارة تختصر التصور الذي يكاد يكون راسخا في عقلية غالبية العرب، فنقرأ عنه ونسمعه في وسائلنا الإعلامية، ونردده في منازلنا ومجالسنا ومدارسنا وبعض ندواتنا التربوية بكثرة، ويرى الكثيرون منا أن التعامل مع الأطفال صعب، رغم حبنا لبراءتهم، ومداعباتنا مع تصرفاتهم العفوية.

أول الأسئلة التي أفكر في جوابها، حين أسمع عن صعوبة التعامل مع أطفالنا، هي: كيف يكونون أطفالنا أبرياء وعفويين وصادقين، كما نرى ذلك في تصرفاتهم، ثم ندعي أن التعامل معهم صعب للغاية؟

فإذا كان التعامل مع صفات البراءة والعفوية والصدق صعب، فكيف إذن سيكون التعامل مع صفات القسوة والتصنع والكذب؟

ربما حين يقرأ البعض كلماتي سيقول: نعم، إن صعوبة التعامل تكمن في براءة الأطفال، حيث إن غالبيتهم الساحقة يرتكبون أخطاء بلا إدراك، ويعاندون بلا فهم، ويبكون لأسباب تافهة، وهنا أتساءل: هل أطفالنا عاشوا حياة قبل ولادتهم؟ أليس من الطبيعي أن يقعوا في الخطأ ويعاندوا ويبكوا، لأسباب ربما لا تبكينا نحن الكبار؟ لماذا نستغرب من أخطائهم، ونستنكر عنادهم، ونستهزئ غالبا ببكائهم؟ مثلما يقوم البعض بتصوير الأطفال وهم في حالة بكاء، حتى يعيد مشاهدة مناظرهم، ليضحك مرارا وتكرارا!

إن صعوبة التعامل مع الأطفال برأيي – وهو مجرد رأي لا أجزم على صحته – نابع من رغبة الكبار منا بأن يكون الأطفال متشابهين لهم تماما، تحت ذريعة أن الكبار سبقوا الأطفال إلى الدنيا، وبالتالي نكون نحن الكبار أعلم من الأطفال بشؤون الدنيا ومتطلباتها ومخاطرها، وقد خبرناها بناءً على تجاربنا.. هذه الرغبة لا تخلو بالتأكيد من حُسن نية الكبار، وخبرتهم، ومن حبهم للأطفال، وحرصهم على سلامتهم، عقليا وجسديا ولغويا، لكن مهما بلغ الحرص مداه، فإنه لن يمنع الأطفال من الوقوع في الخطأ، ومن رغبتهم في استكشاف الجديد في الدنيا الذي من الجائز أننا لم نعرفه نحن في زماننا، وإذا كان لنا الحق في التجربة وفي الوقوع بالخطأ، فإن للأطفال حقا في ذلك، بل لهم حق في الاختلاف عنا، فقدراتهم ورغباتهم ليست بالضرورة مشابهة لقدراتنا ورغباتنا.

لا أتصوَّر نفسي مبالغا، حين أذكر هذا المثال الآتي الذي يتكرر مع الأطفال في وقت تسلمهم نتائج اختباراتهم الدراسية وشهاداتهم في المراحل الأولى من عمر التعليم، فالكثيرون منهم يفكر مباشرة في ردة فعل والديهم، وبالذات في ردة فعل الأم – التي تصورها إحدى الرسومات كالأخطبوط الذي يقوم بأكثر من عمل في وقت واحد – وكأن الأطفال ارتكبوا ذنبا وجرما في حق والديهم، لو جاءت النتائج مخيبة للآمال!

لا جدال في حق الوالدين بالفخر في مستوى أطفالهم الدراسي، لو كان متقدما، أو في الآسى عليه، إن كان هابطا، لأن مشاعر الوالدين تلقائية تجاه أطفالهم في السرور والأسف، لكن هذه التلقائية لو بالغت في درجتها، ستفرض على الأطفال ضغطا، وستطغى على حرصهم البديهي، وحينها سيشعر الأطفال بأحد أمرين، كلاهما سيئ، فإما بتأنيب الضمير تجاه الوالدين، أو بلا مبالاة مضاعفة تجاه التعليم، لأننا نحن الكبار لم نعترف بحدود قدراتهم ورغباتهم، ولم نعرف أن العقل تراكمي بطبيعته، وما لم ينجح فيه الأطفال اليوم سينجحون به في الغد.

الغريب في تربية كثيرين من العرب لأطفالهم، هو التناقض الحاد فيها.. فإما أن تتم تربيتهم على أن يكونوا أسياد على البشر، أو عبيد، دون مستوى البشر، وبؤساء باستمرار! وكأن الاعتدال غائب عن مفاهيمنا، والتعاون مع البشرية مرفوض لدينا.

إن أمراض العرب السياسية المزمنة، كالاستبداد والابتزاز والتطرف والغرور والأنا والبؤس المستمر، تجدر بنا أن نعيد النظر في حالة التناقض التي يتبعها بعضنا في تربية الأطفال، فالكون ليس ملكا لأحد بمفرده، والمال لن يستطيع شراء كل الضمائر، والذود عن الأوطان واجب اجتماعي، لا يقوى على القيام به فرد واحد، أو أفراد محدودين.

إن في حيوية الأطفال وجمالهم إشراقة لأوطاننا، وفي وقوعهم بالخطأ تجربة جديدة نتعلم منها، وفي تماسكهم وتنوع أفكارهم حماية لنا جميعا، فلماذا نرفض ما يضيفونه لنا من إشراقة وحماية وتعليم وفي ذلك تجديد لحياتنا؟ ولماذا لا نتيح لهم اختيار ما يناسب قدراتهم ورغباتهم، وفي ذلك حق لهم؟

في إحدى المناقشات حول موضوع تربية الأطفال ومراقبتهم والحوار معهم طرح أحد الآباء سؤالا في وسط زحمة النقاش وجدته يعكس علاقة أغلب العرب في أطفاله، وهو لا أعرف كيف أتحاور مع طفلي؟ لم أملك إجابة عن سؤاله وشردت في خيالي، بعيدا عن النقاش، وقلت لنفسي سيبقى هذا السؤال بلا جواب ما دامت العقلية الذكورية عند أغلب العرب ترى العلاقة بينها وبين أطفالها، من خلال أوامر النهي ودواعي الإرشاد، فالأطفال في نظر العقلية الذكورية ليسوا سوى استنساخ لها والأمهات مجرَّد آلات تفريخ لا حوار معها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *