الرئيسية » قضايا وآراء » أحمد علي الفريح : المضحكات.. المبكيات!

أحمد علي الفريح : المضحكات.. المبكيات!

كلنا يدعي أن رأيه هو الصواب، وكلنا لا يدري أين رأيه من الصواب، كما يدَّعي هذا الكلُّ أنه مظلوم، ولا يدري كيف هو الظلم!

فحكام طغام طغاة يدَّعون حرصهم على شعوبهم، ولا يدرون كيف يكون الحرص!

ودعاة إلى الدين يدَّعون الرحمة بالناس، ولا يدرون كيف تكون الرحمة!

وليبراليون يدَّعون الحرص على حرية الرأي، ولا يدرون ما حرية الرأي!

وديمقراطيون يدَّعون طلب تحقيق العدل، ولا يدرون كيف يكون تحقيق العدل!

ودعاة وحدة إسلامية يدَّعون أنها مطلبهم الوحيد، ولا يدرون ما الوحدة الإسلامية!

وعروبيون يدَّعون أن العروبة هي غايتهم، ولا يدرون ما العروبة!

وإسلاميون يدَّعون أن الإسلام هو حياتهم، ولا يدرون ما الإسلام!

وسُنة وشعية يتبرأون من العصبية الطائفية في دعواهم، ولا يدرون كيف تكون العصبية الطائفية!

وعلماء في الدين، وآخرون في علوم الدنيا، ولا يدرون ما العلم!

وأدباء وشعراء يؤكدون حرصهم على بعث الشعر وفنون الأدب، ولا يدرون ما بعث الشعر ولا فنون الأدب!

كلنا يدَّعي أنه يدري، ولكنه لا يدري أنه لا يدري!

..وهكذا تكون المصائب، حتى تصل بنا إلى حال نكون فيها على أشد ما يكون الضحك، وليس بنا إلا حاجة إلى البكاء والنواح!

وإلا فكيف نُفَسّرُ مصادرة الحُكام لحقوق شعوبهم، واضطهادهم، بأنه حرصُ منهم، أي طبقة الحُكام، على تلك الشعوب ورعاية لمصالحهم؟!

وكيف نُفَسّرُ تشدد الدعاة إلى الدين في فتاواهم للناس، وتساهلهم مع الحُكام وذوي النفوذ، في تلك الفتاوى، بأنه رحمة بالناس؟!

وكيف نفسّر إقصاء الليبراليين لمخالفيهم في الرأي.. ونبذ مقالاتهم من أن تنشر في صحف أولئك الليبراليين، بأنه حرص منهم على حرية الرأي؟!

وكيف نفسّر إسقاط الديمقراطيين تحقيق العدل من حساباتهم تجاه قضية منح البدون الجنسية الكويتية، كمثل للديمقراطيين هنا في الكويت، بأنه طلب منهم لتحقيق العدالة؟!

وكيف نفسّر رضا دعاة الوحدة الإسلامية بالتفريق والتمييز الغالي في العصبية بين المسلمين، على اختلاف مواطنهم، بأن المطلب الوحيد لأولئك الدعاة.. يمنت في الوحدة الإسلامية؟!

وكيف نفسّر تصرُّف العروبيين بالتطاول والاعتداء على العرب الآخرين، بأن العروبة هي غايتهم؟!

وكيف نفسّر: إسلاميون ينتهكون أعراض المسلمين وغير المسلمين من دون حق باغتيابهم وتحقيرهم والتشهير بهم، وقد يصل الأمر إلى قتلهم، بأنَّ حياة أولئك الإسلاميين هي الإسلام؟!

وكيف نفسّر هذا التخوين، والطعن في دينهم، والتجني عليهم بالكذب، من قِبل السُّنَّة في الشيعة، ومن قبل الشيعة في السُّنَّة، بأنه تبرؤ منهم (أي من كلّ من الفريقين) من العصبية الطائفية؟!

وكيف نفسّر تحجر العلماء وقصور معرفتهم، لا مَن يُنسب منهم إلى علوم الدين، ولا من يُنسَبُ منهم إلى علوم الدنيا، بأنه عِلم منهم.. وهم لا يفقهون من أمور الناس، أفراداً وشعوباً، شيئاً – على صعيد الدين (حتى بات الناس في مشقة).. وعلى صعيد الدنيا، فأين النهضة العلمية الحضارية، حتى أصبح الناس يدورون في حلقة مفرغة، لا همَّ لهم إلا الحرص على المكانة وإرضاء السلاطين، وهذا من كُلّ من الضَربين ممن يُدَّعى لهم بالعلم؟!

وكيف نفسّر هذا الخواء الشعري واندراس فنون الأدب، إلا من بهرجتها بمهرجانات وملتقيات، وانكفاء أولئك الشعراء والأدباء على أنفسهم بالمديح والفخر أو باللواعج والوجدان.. ولا تجديد ولا استنهاض همة الأمة.. إلا من بعض المُلَح والسخرية، بأنه حرص من أؤلئك على بعث الشعر وفنون الأدب العربي؟!

أو أن كُلَّنا يدري أنه لا يدري، ولكن لا يقوى على تقبُّل أنه لا يدري.. فيوهم أنه لا يدري أنه لا يدري.. فتتعدد وجوه المصيبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *