الرئيسية » قضايا وآراء » محمد الشحري : امتلاك السلاح الكيماوي نقمة لا نعمة

محمد الشحري : امتلاك السلاح الكيماوي نقمة لا نعمة

محمد الشحريلنعترف أولاً بفشل الدول العربية في الاحتفاظ بترسانتها العسكرية، التي قُدمت على حساب التنمية في البلاد العربية، واستنزفت من ميزانية الدول مليارات الدولارات، ولنعترف أيضا أنه لا يمكن لأي دولة عربية امتلاك الأسلحة الكيماوية أو النووية، مهما كان تحالفها مع الولايات المتحدة وأوروبا، فالمملكة العربية السعودية- على سبيل المثال- لم يسمح لها بامتلاك السلاح الذري، بل سمح لها تمويل القنبلة الذرية الباكستانية، لسبب بسيط، هو أن إسرائيل لا تريد لأي دولة مجاورة لها امتلاك السلاح الذري، والدول العربية على وجه التحديد.

ونقول أيضا إنه لا يمكن لأي دولة عربية امتلاك السلاح الذري أو الكيماوي، من دون الاعتماد على طاقاتها البشرية الوطنية ومواردها الطبيعية، أو من دون إيجاد بنية تحتية تساعدها على تطور البلاد وتساهم بنهضتها، وهذا ما لم تفعله الدول العربية التي حاولت إيجاد نوع من التوزان العسكري مع الكيان الصهيوني، حيث سعت كل من العراق وسوريا وليبيا، لامتلاك السلاح الكيماوي، بأي وسيلة كانت.. طبعا لن أذكر مصر، لأنها خرجت من معادلة الصراع مع الكيان الصهيوني بعد اتفاقية الاستسلام في كامب ديفيد 1979.. أما الجزائر، فإنها حاولت امتلاك السلاح الذري قبل 1992، أي قبل الانتخابات التي ألغيت بعد فوز الإسلاميين بها في نهاية العام 1991، وقد سعت لشراء مفاعل نووي من الأرجنتين، كما وقع الجيش الجزائري اتفاقية مع الصين، لتزويده بهذا السلاح في العام 1983، وشيَّدت الجزائر بمنطقة عين وسارة بولاية الجلفة (200 كيلو متر جنوب العاصمة) مفاعلا نوويا تبلغ طاقته الانتاجية 15 ميغاواط، وتم اكتشاف هذا المفاعل من قِبل الاقمار الصناعية الأميركية سنة 1991، ومع ذلك يرجح العديد من الخبراء والمهتمين بالطاقة الذرية أن إمكانيات الجزائر الطبيعية المتمثلة في الغاز والبترول واليورانيوم، وكذلك وجود العنصر البشري المدرب، كل ذلك يؤهل الجزائر للحصول على الطاقة الذرية قبل مصر والسعودية.

نصوغ هذه المقدمة للحديث أكثر عن الأسلحة الكيماوية التي امتلكتها أو سعت لامتلاكها كل من العراق وسوريا وليبيا، حيث بدأ البرنامج النووي العراقي في منتصف الستينات والسبعينات بمساعدة الروس، ثم الفرنسيين منذ منتصف السبعينات، وقد أفشلت اسرائيل الحلم العراقي بامتلاك السلاح النووي، بعد أن قصفت مفاعل تموز في 7 يونيو 1981، بمساعدة وتغاضٍ من الولايات المتحدة، التي لن تسمح بامتلاك أي دول عربية لأي سلاح يهدد الوجود الصهيوني، ثم انتهى المطاف بالسلاح الكيماوي العراقي إلى أيدي الخبراء الدوليين وتدميره، بعد الغزو الغاشم على الكويت، وبعد عمليات عاصفة الصحراء العسكرية ضد العراق، وكانت الولايات المتحدة تقوم بضربة أو ضربتين لبغداد منذ العام 1991 وحتى 2003 يوم دخلت القوات الأميركية إلى العراق، وفي العام ذاته أعلن النظام الليبي تخلصه من الأسلحة الكيماوية، واستعداده لاستقبال مفتشي الطاقة الذرية، وفهم البعض من المحللين أن النظام الليبي خشي على نفسه من المصير الذي انتهى إليه النظام العراقي، ولكن الحقيقة التي ربما لا يتطرَّق إليها أحد، أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير كان يبحث عن عمل له بعد تقاعده من الرئاسة، وكانت عينه على ليبيا ونفطها ، وهو الأمر الذي تحقق لاحقا، حيث تم تعيينه مستشارا سياسيا للقذافي في العام 2010، طبعا بعدما نظف النفط الليبي سجل القذافي من دعم الإرهاب، بداية بتوقيع ليبيا على اتفاقية للتخلص من السلاح الكيماوي، ثم انهاء قضية لوكيربي بدفع تعويضات للضحايا قدرت بما يقارب 2.7 مليار دولار، والافراج عن المتهم في التفجير عبدالباسط المقرحي في أغسطس 2009، ولكن على رغم المبالغ الطائلة التي دفعها نظام القذافي لتبيض ملفه أمام الغرب، فإنهم أشعلوا الثورة التي أطاحت به، وفق اعترافات الكاتب الفرنسي المتصهين برنار هنري ليفي، في كتابه (الحرب دون أن نحبها: يوميات كاتب في قلب الربيع الليبي)، وربما ساهمت فرنسا بمقتل القذافي بتلك الطريقة البشعة، لدفن أسرار المبالغ التي دفعها في حملة الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي.

أما برنامج الأسلحة الكيماوية السورية الذي هو حديث الساعة الآن، فمن المؤكد أنه صُرف عليه من ميزانية الدولة السورية، أكثر مما صرف على قطاعات مهمة، مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية. صحيح أن قبول سوريا بالتفتيش على اسلحتها الكيماوية جنبها ضربة عسكرية محتملة، لكن الصحيح أيضا، ومن خلال التجربتين العراقية والليبية، فإن قبول المفتشين الدوليين وتدمير الأسلحة الكيماوية، لا يعني توقيع سلام مع الغرب، بل هو مقدمة للتدخل العسكري مستقبلا.. لذلك، فإننا لا نستبعد أن نرى تدخلا عسكريا ضد سوريا بعد تخلصها من سلاحها الكيماوي، في حال تخلي الحليف الروسي عن دعم دمشق، وهذا أمر مستبعد، في ظل وجود القيادة الروسية الحالية، وخاصة بعد أن خاضت روسيا حربا سياسية شرسة منذ تدويل الأزمة السورية، وأثبتت للعالم أن روسيا لن تتخلى عن حليفها الوحيد على ضفاف البحر المتوسط.

ختاما نقول إن الأموال العربية التي تذهب إلى التسليح، أيا كان نوعه، سواء كان كيماويا أو تقليديا، فإنها لن تحمي أي نظام من التغيير أو من التدخل العسكري، وعلى العكس من ذلك، كلما وجد السلاح غير التقليدي في أيدي أي نظام وجدت ذريعة لتغييره، سواء بحجة الخشية من استعماله ضد المصالح الغربية وإسرائيل تحديدا، أو الاستيلاء عليه من قِبل جماعات متطرّفة في حال تغيير النظام السياسي.. أما السلاح الذي يجب أن نمتلكه كعرب في المستقبل، فهو سلاح العقول والأيادي العاملة المدربة والمنتجة، ولنا في التجربة اليابانية خير مثال على ذلك.

*كاتب عُماني

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *