الرئيسية » قضايا وآراء » وصال الشيخ : هكذا تم تطبيق شعار (الأسد.. أو نحرق البلد)

وصال الشيخ : هكذا تم تطبيق شعار (الأسد.. أو نحرق البلد)

المتتبع لبدايات الثورة السورية يدرك ببساطة شديدة أن نظام الأسد لم يكن صادقاً بتبني نهج الإصلاح الذي كان يدعيه، فقد كان متورطاً منذ الأيام الأولى بنصب الأفخاخ والمكائد للحركة الاحتجاجية التي كانت في بداياتها، فأطلق العنان لأبواقه للتحليل وكتابة سيناريوهات مختلفة، لعل أهمها ما جاء على لسان «عرَّافة» بشار الأسد ومستشارته بثينة شعبان، عندما صرَّحت في الأسبوع الأول أن ما يحدث عبارة عن فتنة طائفية، والذي اتضح لاحقا أنها خطة النظام لمحاربة الثورة ومحاولة وأدها في مهدها، فعمل جاهدا على إرساء وتجذير هذه الفكرة، وقد كان جليا بُعد الاحتجاجات عن هذه الصبغة.

فهناك دائما تساؤلات منطقية يمكن طرحها: أين الطائفية حين تخرج الجماهير محتجة على تجاوزات رجال الأمن هاتفة «الشعب السوري ما بينذل» في دمشق؟ وأين الطائفية حين يخرج الأباء والأمهات مطالبين بإطلاق سراح أطفالهم الذين تم اعتقالهم وتعذيبهم وتقليع أظفارهم، لمجرد أنهم مارسوا لعبة طفولية كتبوا من خلالها على جدران مدرستهم بعض الشعارات التي كانوا يسمعونها في البلدان المجاورة التي كانت تشهد ثورات سلمية أودت بكثير من الرؤساء إما إلى الهرب أو التنحي؟

لقد أدرك نظام بشار الأسد منذ البداية أن انتشار ظاهرة التظاهرات السلمية ليست إلا ناقوس خطر، وإسفيناً سيدق في عرشه ويهدد وجوده الذي عمل والده على ترسيخه خلال أربعين عاما.. هذا العرش الذي أضحى آيلاً للسقوط تحت ثقل إرث طويل من الفساد والقمع وتكميم الأفواه وتحويل سوريا إلى مملكة للخوف.

لهذا، فقد عمل على تقويض هذه السلمية التي تميَّزت بها الثورة منذ اليوم الأول حتى الشهر السادس (بشهادة رئيس النظام)، فمن لا يتذكر ورود غياث مطر، أيقونة الثورة السلمية، والذي أعادوه إلى أهله بعد ثلاثة أيام من الاعتقال جثة مشرحة؟ ومن لا يتذكر مناشير الحرية والنشاطات المدنية وإضرابات الكرامة والتظاهرات السلمية التي كانت عبارة عن كرنفالات للهتاف وحلقات الدبكة التي امتلأت بها ساحات المدن والقرى السورية، ما شكل فكرة واضحة وجلية لدى النظام ألا يسمح بأي احتجاجات سلمية، مهما كان الثمن، لأن هذا معناه أن الإمعان في قمعها سيجلب له المزيد من الاستنكار والإدانة من قِبل المجتمع الدولي والعالم، فهو يقاوم بالنار شعبا أعزل، إلا من حناجره ولافتاته؟

لقد ظهر جليا أن جلّ ما يتمناه النظام هو أن يستخدم المتظاهرون السلاح، لتكون ذريعة له كي يعمل قتلا وتنكيلا بهم، وليطلق العنان لعناصر أمنه وشبيحته الموتورين وجيشه العتيد المتوثب لدك المدن بالمدافع والدبابات.

هكذا كانت الخطة، وهذا ما تم تنفيذه حرفيا، فقاموا بقتل بعض رجال الأمن، واتهموا المتظاهرين بقتلهم، بعدها بدأوا بإطلاق النار على التظاهرات السلمية، ثم عملت «قطعان» الأمن والشبيحة قتلا وتعذيبا وتقطيع أشلاء واغتصابات وسرقة بيوت الأهالي في المناطق المنتفضة لجر المدنيين إلى حمل السلاح، دفاعا عن بيوتهم وأعراضهم، ودفعهم للتصديق والوصول إلى حقيقة مفادها أن لا حل إلا بالسلاح، ما سيرسخ الفكرة التي أطلقها النظام، والتي تقول بوجود عصابات مسلحة ومرتهنة للخارج تهدد أمن الوطن، وبالتالي يجب قمعها بشدة، وهذا ما حصل.. فقد دُفعت الثورة السورية للتسلح دفعا، فلم يعد أمام الثوار السوريين خيار آخر للدفاع عن أنفسهم وعن عائلاتهم، فذهب النظام المجرم إلى أبعد مدى في التقتيل والتهجير والاعتقال، وبهذا أدخلوا البلاد في نفق مظلم وأتون حرب طاحنة ستكون عصية على التحكم بمجرياتها حتى من قِبل النظام نفسه.

الجريمة الأخرى التي عمل بها النظام على ترجمة مقولة «الأسد أو نحرق البلد» هي الطائفية، فقد عمد على اللعب على الوتر الطائفي، ومارس سياسة «فرّق تسد»، التي ستدفع إلى تفكيك وتدمير المجتمع، وضرب كل مقومات العيش المشترك بين طوائف وقوميات الشعب السوري.. هذه اللعبة التي يتقنها نظام الأسد (الأب والابن)، ويمتلك أسرارها ومفاتيحها، مستفيدا من نجاح التجربة في لبنان الشقيق، حيث عمل على ضرب طرف بآخر، أو باعتماد اغتيال رجالات طائفة ما، لاتهام طائفة أخرى، أو توظيف هذا الطرف السياسي ضد ذاك.

التقطت الجماهير التي انتفظت لكرامتها الإشارة، وأدركت لعبة النظام، فعملت على نبذ كل ما هو طائفي، من خلال التأكيد على شعار «الشعب السوري واحد» و»سوريا لكل السوريين»، واللافتات التي كانت ترفع في التظاهرات السلمية، مؤكدة وحدة الشعب والأرض.

لكن المجازر التي ارتكبت والمدن التي حوصرت وأحرقت بيوتها وهجر سكانها في مناطق بعينها ذات صفة طائفية واحدة، إضافة إلى العبارات الطائفية التي كانت توشم بها أجساد الأطفال المقتولين والمحروقين والمقطعين إلى إشلاء أدَّى إلى بروز خطاب طائفي مدعوم من قِبل بعض الجماعات الأصولية في الخارج، التي كانت تتحرق لتدلو بدلوها ولتسعير نار الطائفية وتقسيم الوطن، وفق الاستقطابات الطائفية، ويكون بهذا النظام قد حقق جريمته الأولى بحق شعب مقهور خرج مطالبا بحريته وكرامته.

وقد كان آخر ما تحتاجه ثورة الشعب المقهور الذي خرج من أجل الحرية والكرامة أن تلطخ بالطائفية والانقياد وراء القاعدة، وهذا بالفعل ما نجح نظام الأسد على تكريسه منذ البداية، وإظهار الثوار السوريين أمام الغرب والعالم بأنهم مجرَّد إرهابيين يجلدون ويقطعون الرؤوس والأيدي، بالإضافة إلى تخويف الأقليات التي تفكر في الانضمام للثورة من المصير المرعب الذي ينتظرهم، إن نجح هؤلاء الإرهابيون بالوصول إلى الحُكم.

وهذا فعليا تحقق للنظام، فقد أحجمت الكثير من الدول التي كانت من أشد المتحمسين للثورة عن مساعدة الثوار وتسليحهم، بحجة الخوف من أن يقع هذا السلاح في أيدي الجماعات الإرهابية، أو حتى الوصول إلى فرض قرار دولي يفضي إلى إيقاف شلال الدم السوري المتدفق والتخلص من نظام فاشي صاحب تاريخ عريق بالإجرام، ابتداء بمجازر تل الزعتر بحق الفلسطينيين، مرورا بمذابح حماة، وانتهاء بعروض القتل المتواصل في المدن السورية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *