الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : حتى لا نبالغ في مدى تأثير الاتفاق النووي

ناصر العطار : حتى لا نبالغ في مدى تأثير الاتفاق النووي

ناصر العطار
ناصر العطار

منذ أن تم توقيع الاتفاق النووي بين إيران والقوى الغربية في 14 يوليو الماضي والتحاليل الإخبارية، وآراء الكُتاب المختلفة وتصريحات السياسيين والدوبلوماسيين لا تكاد تتوقف.

سيل جارف من الكلام المتباين أحيانا، والمتفق عليه في أحيانا أخرى، يقرأه المتابع للشأن العام حول الاتفاق، ليس من المستغرب أن ينال الاتفاق كل هذه التغطية، فهو قد جرى بين أطراف متعادية منذ مطلع الخمسينات، حين تدخلت الاستخبارات البريطانية والأميركية، لإزاحة حكومة إيرانية وطنية متفتحة مناوئة للغرب لمصلحة عرش حكومة إيرانية أخرى متكبرة على الشعب الإيراني ومتمصلحة مع الغرب بلا حدود، إلى أن قامت ثورة شعبية إسلامية عام 1979، اقتلعت العرش المتكبر والصديق الصدوق لإسرائيل، لتعيد للواجهة صورة العداء الإيراني للغرب تحت شعارات دينية هذه المرة.

36 سنة من العداء بين إيران والغرب، بقيادة أميركية، تخللتها حروب بالوكالة، امتدت من المواجهة بالسلاح، إلى دعم كل طرف للحركات المناهضة للطرف الآخر، إلى المواجهة باتهامات متبادلة بالشر والشيطنة والطائفية، إلى سعي كل طرف لتقوية نفوذه بكل وسيلة ممكنة، باحتلال العراق، كما فعلت أميركا، أو بامتلاك المعرفة النووية، كما فعلت إيران.

من الواضح أنه ليس من بين دوافع نشوء العداء، هو خوف أو حرص الأطراف المتعادية على حق عربي أو ديمقراطية عربية، فإيران يدفعها حقها كثائرة إسلامية على تأكيد وجودها كفاعل إقليمي، والغرب تدفعه قوته شبه المتفردة، لا يقبل بسهولة أن يُرد له طلب، وفي هذا الصراع ليس مطلوبا من العرب إلا أن يكونوا وقودا يشتعل به العداء الإيراني – الغربي، وساحة تحتضن معاركه بالسلاح والفكر.. إيران التي تعتبر نفسها، وعن حق، أنها أمة بذاتها، لها وجود ثابت وكبير على الأرض، بصرف النظر عن شكل ثوبها، ضيقا كان أم فضفاضا، وكل ثابت على الأرض لا يقبل الخنق الاقتصادي والسياسي، مهما طالت مدة خنقه، وتحت رداء الشعارات الإسلامية، راحت إيران تناصر قضية العرب ضد إسرائيل، ثم حددت بؤرا بعينها في المنطقة العربية، بالدعم والتأييد، تتوافق مع مصلحتها ومذهب ثورتها، كما جاء في خطاب مرشدها خامنئي بعد توقيع الاتفاق.. أما الغرب، فذو عقلية عملية ونفسه طويل، وما لم يحققه اليوم، سيفكر بتحقيقه في الغد، وليس من الغريب أن يمر الاتفاق في الكونغرس، برغم أصوات الجمهوريين المعترضة، فأفضل الاحتمالات المتاحة اليوم لأميركا والغرب، عموما، هو الوصول لاتفاق مع إيران العنيدة.

الاتفاق الأميركي – الإيراني قام على قاعدة «ربح – ربح»، على حد تعبير السفير الإيراني في الكويت، فهل ربح العرب من الاتفاق؟

يقول الكثيرون إن الأرباح الاقتصادية المنتظرة كبيرة، ومن السهولة الظفر ببعضها، وحتى الأرباح السياسية متوافرة، إذا عاد الوئام بين النظام السوري من ناحية، والغرب وبعض دول الخليج من ناحية أخرى، وكفت إيران عن تصريحاتها التي يعتبرها الخليجيون استفزازا وتدخلا.

في الزيارة الشهيرة التي قام بها بعض نواب مجلس الأمة عام 2012 إلى جريدة «الطليعة»، إبان انقسام كثير من الناس بين مقاطع ومشارك لانتخابات مجلس الأمة، قال د.أحمد الخطيب بما معناه للنواب الزائرين، وأغلبهم من التيار الديني والقبلي: «إن التمسك بدستور 62 ضرورة لحماية الكويت، فهي لا تحتمل التفريط بالديمقراطية»، ثم أسهب بشرح الوضع الإقليمي، وقال: «من الممكن أن تتوصل إيران وأميركا إلى اتفاق، فما موقف العرب وقتها؟ ثم كتب د.مقالة ملخصها، أن «الناس جياع كرامة، لا جياع مال».

استفدنا (نحن العرب) من العداء الإيراني – الغربي، بعد أن قطعت الثورة الإسلامية صلة إيران بإسرائيل، وأخطأنا بصناعة صدام حسين، كبطل قومي عربي، وسنشعر ببعض الهدوء بعد اتفاقهما، لكن هذه الاستفادة وهذا الهدوء لا يمكن اعتبارهما حجر أساس للكرامة العربية، ما دامت العُقدة مستعصية على الحل بين أغلب الشعوب العربية وحكوماتها.

قرأت جملة لأحد المحللين العرب المناهضين للسياسة الأميركية، وهي التي عنونت بها هذه المقالة، فقد وجدت فيها أنسب رد على العرب الفرحين جدا بالاتفاق، وكأنه الباعث على استقرار أمتنا والحل السحري لمشاكلنا في سوء التعليم والاستبداد السياسي والاجتماعي والديمقراطية الغائبة، وفي اغتصاب إسرائيل لأرضنا، وتعاون الكثيرين منا معها. نعم، جميعنا يبحث عن الاستقرار للعالم، وضمنه أمتنا العربية، لكن أرجو من قلبي ألا يكون استقرارا مشابها لاستقرار مصر في عهد حسني مبارك!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *