الرئيسية » قضايا وآراء » حبيب السنافي : من ثمار ثورة 25 يناير المصرية

حبيب السنافي : من ثمار ثورة 25 يناير المصرية

حبيب السنافي تُعد تجارب الشعوب خبرات وفيرة تتبادلها الشعوب والأمم، وخصوصاً المتشابه منها ثقافياً، والمقارب لها، فكرياً وعقائدياً، فمنظار التاريخ يرصد لنا الكثير من شعوب البسيطة الممتدة تفحصت أسباب تفوق غيرها من الأمم وازدهارها، ونتائج حراكها على مستويات عدة، فأخذت بجيدها وتجنبت رديئها، فوفرت على نفسها الوقت والجهد والتجربة، لتتبوأ مكانة ومستقراً أفضل بين الأمم.

ومن تجارب الشعوب التي ستمضي حقبة طويلة نتمعنها ونستقي فوائدها، ونتوقى مطباتها، لتجاوزها بلا عناء، ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، فقد أدَّى فيها التيار الديني دوراً محورياً، اختلف في استيعابه وتقييمه الكثير، حتى من أبناء مصر وثوارها، فسقط فيهم القتيل والجريح، نزاعاً واختلافاً على حق التيار الديني ودوره بالحياة السياسية المصرية.

فالبعض أعلن أن التيار الديني، المتمثل بجماعة الإخوان المسلمين، هو تيار سياسي يتدثر بالجلباب والعمامة، ولا يصلح لقيادة الأمة، وأنه يبطن خلاف ما يظهر، ولو استقامت له الأمور وتمكن من مفاصل الجمهورية ومؤسساتها، فسيلقى الشعب منه العنت والثبور.

فالتيار الديني/ الإخوان تيار مناهض لمقومات الدولة المدنية، ميَّال للعنف، تحقيقاً لمبتغاه باسم الجهاد والدفاع عن حياض الإسلام والمسلمين، وكأن فرض الجهاد المزعوم يبيح ويستبيح دماء الأبرياء، مثلما استباحوا دم رئيس الوزراء الأسبق المغدور به أحمد ماهر باشا ورئيس الوزراء أيضاً محمود فهمي النقراشي، لأنه خالفهم الرأي، بل وامتدت يد الغدر منهم لتسلب القاضي أحمد بك الخازندار روحه البريئة، لأنه حاكمهم على جرائمهم المشهودة بالأدلة الثابتة بحقهم، وليستمر نهجهم الدموي، بمحاولتهم الفاشلة لاغتيال الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ولتنجح مرةً أخرى بقتل الرئيس محمد أنور السادات بحادثة المنصة الشهيرة.

وبعد كل ذاك التاريخ المشرب بالدماء يخرج علينا اليوم من الإخوان المسلمين من يدَّعي باعتدالهم ووسطيتهم وتبنيهم للسلم والحوار، فيا للعجب!

ثم لنستفيد درساً آخر من سلوك التيارات الدينية، فالمكيافيلية والمصلحة الذاتية لا تفارقهم، وهي- كما نعلم- أس السياسة، ووسيلة لا غنى عنها لمن ركب مركب السياسة ومطامعها، فعندما خلت الساحة السياسية المصرية من ثوارها الحقيقيين، والذين لم يكن همَّهم سوى إسقاط الرئيس حسني مبارك من الحُكم، تداعى أقطاب الإخوان ومواليهم لقطف محصول الثورة وتغيير شعارهم من المشاركة إلى المغالبة، فتعالت نسبة أعضائهم بمجلس الشعب ومجلس الشورى، وصولاً لخطتهم المرسومة للاستيلاء على رئاسة الجمهورية، وتجلَّت مكيافيليتهم بتحالفهم مع التيار السلفي في «غزوة الصناديق»، فامتطوا ظهورهم صعوداً للمناصب الوزارية، التي اقتصرت عليهم، وحرموا السلف منها، ليستنكر بعض من قادة السلف من عقوق الإخوان، ويصرح أحدهم «إن الإخوان خرجوا عن الجادة، ولم يطبقوا الشريعة كما يجب».

إن الحزب الإخواني يرى السلطة حقاً مطلقاً لهم، ولم يفكروا أو يحاولوا يوماً الاندماج بالمجتمع، بل هم يعتقدون بأن المجتمع عليه فرض الاندماج بمشروعهم العقائدي والفكري، لذا تراهم يناكفون العلمانيين والمسيحيين والأقليات الدينية، ويستنكرون منهم حق ممارسة شعائرهم وطقوسهم المكفولة دستورياً، كما استبان تمييزهم ضد المرأة، بإقصائها عن رؤوس قوائم الانتخابات، وعدم تمثيلها بأحد نواب الرئيس محمد مرسي، كما وعد الشعب به في حملته الانتخابية للرئاسة.

ولنتعلم درساً مثمراً أن الدولة المدنية لن يستقيم أمرها وأمانها إلا بالأحزاب والمؤسسات المدنية، وغير ذلك تبقى الشعوب العربية على صفيح ساخن.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *