الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : هدوء غير مبرر

حبيب السنافي : هدوء غير مبرر

حبيب السنافي
حبيب السنافي

هل العقل الفردي؛ أفعاله واستجاباته ونوازعه وردود الفعل لديه، تتشابه أو تتساير مع العقل الجمعي الشعبي أم تتقاطع معه؟

يمضي معظم الأفراد ساعات يومهم، هدراً، في متابعة مسلسل ما، أو مباراة كرة قدم مملة، وربما آخرون يتبادلون الأحاديث المكررة، وهم يتعاطون الشيشة، بينما لو أجاد هؤلاء استغلال فترات فراغهم في ابتداء مشروع تجاري يُدر عليهم المال، أو أن يتزودوا بمناهل الثقافة المتنوعة لبناء شخصياتهم المتميزة، لكانت الفائدة أعمّ لهم وللوطن.

لو اقتصر هذا التمادي والإهمال في تبديد الوقت على المسائل الفردية، لما كان اكتراثنا، لكن الظاهرة التي تحتاج إلى دراسة وتحليل ووعي بخطورتها وأثرها ونتائجها، هي تضييع واستبدال الجماهير لاهتماماتها، في ما لا يعود عليها بالنفع والمصلحة.

الأحداث المحلية التي مررنا بها في السنوات السابقة، من بداية تظاهرات المجاميع الشبابية في «نبيها خمس»، إلى انتخابات مجالس الأمة المبطلة، وصولاً بالاحتجاجات الأخيرة والتجمع في ساحة الإرادة، عندما أخلتها وزارة الداخلية بقواتها الخاصة من المحتجين والمتذمرين، مما آلت إليه أحوال البلد.

تلك الأحداث المحلية الساخنة، بلا شك، كان من المفترض أن تسيّس أفراد المجتمع، وتولي للسياسة بؤرة اهتماماتها، لكنها على النقيض، لاحظنا الانحسار الجماهيري في الحراك العام، والنأي غير المبرر عن المشاركة في الندوات السياسبة أو اللقاءات التي تطرح قضايا عامة، وذاك نعزوه لأسباب عدة، نوردها منها؛ أن الحراك المجتمعي ذو نَفَس قصير، واندفاع الجماهير له طابع حماسي مفرط سرعان ما يفتر، وتعليل ذلك، افتقارها لأجندات محددة ومطالب مسبقة متفق حولها، فالقيادات التي توجه الحراك المحلي الجماهيري متباعدة، لا رابط ولا تواصل ولا اتصال في ما بينها، إلا في ما ندر، ومصالحها الضيقة تكتفي بنصيبها من هبات السلطة، فتنزوي للسكون، وتترك الساحة للسلطة، ولا أريد أن أضرب الأمثلة، حتى لا أعاب بالطائفية وأتهم بالانحياز، واللبيب بالإشارة يفهم.

السبب الآخر، انعدام ثقة الجماهير بالقيادات المطالبة بالإصلاح، فهناك العديد من المتربصين والمترقبين والانتهازيين لأي حراك شعبي، من أجل تجييره لمصالحهم، وبالذات بعدما لوحظ بروز أصحاب أموال جدد تطل برؤوسها فجأة، والعديد منهم يستغل تطلعات الجماهير، لبلوغ البرلمان، وعندها يتخلى عن الجماهير، ويتركها لمسلسل معاناتها، بل يمكن القول إن بعض القوى السياسية واجهة لبعض الشخصيات، لإثبات حضورها ونفوذها، وتعزيز مكانتها للمناورة والابتزاز.

من الأسباب، أيضاً، ابتعاد الجماهير عن النشاط السياسي، ورغبتها في ممارسة حياتها اليومية، وانهماكها بالمطالب الحياتية، واستمتاعها بالحياة بلا ضغوط.

ومن الأسباب الحيوية لخفوت الحراك السياسي الجمعي، انعدام الوجود القانوني للأحزاب السياسية، فالأحزاب، عموماً، مراكز تثقيفية وتنويرية تهيئ منتسبيها لمتابعة ورصد الحراك السياسي والمشاركة في القرارات المصيرية، وأن يكون لها رأي بصددها، وهذا ما تحاول السلطة مستميتة تجنبه.

البذخ الحكومي، خصوصاً على بند الرواتب والدعم للسلع الأساسية، له دور سلبي في تهدئة الرأي العام، والدفع السخي للمواطن أدَّى إلى نأيه عن الاهتمام والمتابعة للقضايا والأحداث المحلية، مادامت مصالحه الذاتية لم تتأثر، وهذه غريزة طبيعية في المجتمع الإنساني.

أخيراً، وليس آخراً، السلطة تتمثل بالمؤسسات الرسمية، ومَن يتحدى بمواجهتها، فعليه بالعمل الجماعي الحزبي المقنن، لا التصرف الفردي الانفرادي، وعندما تتجبَّر السلطة عليه وتستبد وتعتقله، لن ينتصر له أو يسأل عنه ويؤازره سوى الكتلة السياسية التى ينتمي إليها، وتمثله أمام القانون والمجتمع.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *