الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : الكويت بين الأمس.. واليوم

أحمد الجاسم : الكويت بين الأمس.. واليوم

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

يأتي تفجير مسجد الصادق في الكويت، الذي أسفر عن سقوط 27 شهيداً و221 جريحاً، متسقاً مع ما تشهده المنطقة العربية من انفجارات واغتيالات واجتياحات، كشفت عن ضحالة الأخلاق والإنسانية في مجتمعاتنا العربية، خصوصاً عندما تُنفِذُ عصابات التوحش والتطرف والغلو جرائمها، باسم الإسلام، وتحت راية «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، فبات حتى صوت التكبير (الله أكبر) بصوتٍ عالٍ مخيفاً أكثر من إطلاق الرصاص، وقد تزامن هذا التفجير مع هجوم ثانٍ على السياح الأجانب بمدينة سوسة الساحلية بتونس، وتفجير ثالث استهدف موكب النائب العام هشام بركات في مصر فقتله، وهجوم رابع على الجيش المصري في سيناء، أي إن بلدان العالم العربي أصبح معظمها رهينة بيد الإرهاب، وهو ما يعكس عدم جدية الإدارة الأميركية وتحالفها الدولي المزمع ضد الإرهاب، الذي نفذ حتى الآن أكثر من 4000 غارة في العراق وسوريا، ولم يؤدِ إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

وحتى الآن، لم تتبيَّن بعد حقائق وأسرار هذه التنظيمات (داعش وأخواته)، التي تتبنى كل هذه العمليات، لكن من المؤكد أن هذه التنظيمات، هي مجرَّد واجهة كبيرة تختبئ خلفها الذئاب والثعالب التي من مصلحتها تقسيم الدول العربية، وإشعال الفتنة المذهبية، والحروب الأهلية، وتدمير الجيوش الوطنية، وخلع أنياب وأظافر كل مَن يُشكل خطراً على الكيان المحتل (إسرائيل).

وبعد تلك المقدمة السريعة، نعود للجريمة النكراء، فهي سابقة خطيرة في تاريخ الكويت، فلم يسبق أن دخل انتحاري على مصلين في بيت الله تعالى، مُكبراً، ليفجرهم، وهم صائمون وساجدون.
فالمجتمع الكويتي ليس متطرفاً إلى هذا الحد

من الجنون والفجور، فمجتمعنا عرف التنوُّع الديني والمذهبي، والتعايش منذ نشأته، وهناك تداخل مذهبي بين الأسر، وحتى في صفوف الأسرة الواحدة عند بعض الشرائح، ومَن يزرْ العاصمة الكويت، يجد أن مسجد السُّنة بجانب مسجد الشيعة، وكذلك تجد الحسينيات على مسافة قريبة من الكنيسة الإنجيلية الوطنية، فالسمة العامة لمجتمعنا هي المدنية، وقد شهد هذا المجتمع تحولات عديدة في تاريخه، من مجتمع صغير وبسيط ومنتج ومحافظ ومسالم قبل النفط (باستثناء تجربة «الكتلة الديمقراطية» 1938وحراكها الذي قُمع مبكراً)، ونظام مشيخي يُدير الإمارة، إلى مجتمع حي وفاعل يتطلع للمدنية والتحرر الوطني من الحماية البريطانية، والمشاركة في القرار في فترة الخمسينات، وقد شكل عهد المغفور له الشيخ عبدالله السالم، الممتد 1950 إلى 1965، طفرة حقيقية في تاريخ الكويت، وقد شهدت الكويت في عهده الميمون، بفضل حكمته وظهور النفط، نهضة على جميع المستويات من بناء المدارس والمستوصفات والمستشفيات والجامعة والأندية الرياضية والثقافية ومؤسسات الرعاية التي تكفل الشباب والمعاقين والأيتام والأرامل والأطفال، وانتعاش الحركة الثقافية من إصدار المجلات والصحف، وجلب الكتب، ما أدى إلى تنامي الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي لدى الشعب الكويتي، الذي انفتح على التيارات القومية واليسارية والناصرية والتقدمية العربية مبكراً، قياساً ببقية دول الخليج الأخرى، وقد اصطبغت سياسة الكويت، آنذاك، بصبغة عروبية وإسلامية منفتحة، وملتحمة بقضايا العرب وهمومهم، وأهمها قضية فلسطين المحتلة.

وقد كانت خطابات الراحل الشيخ عبدالله السالم معبّرة عن هذا التوجه، وهو القائل «في سبيل فلسطين لا نبخل بأي غالٍ ونفيس، وعلى العرب أن يضعوا في حسبانهم أن فلسطين لن تعود بالكلام ولا بالحماس، وإنما بالعمل والكفاح المسلح..»، وكذلك قال عن استعمار الجزائر «ثورة الجزائر ثورتنا، وقضية شعبها المكافح الشقيق قضيتنا..»، وقد نالت الكويت في عصره الذهبي استقلالها في 19 يونيو 1961، وكُتب بعد ذلك الدستور، الذي أسس لمبادئ الحقوق والواجبات، وقد تمَّ العمل به في أول جلسة للبرلمان يوم 23 يناير 1963 (انظر: أحمد البغدادي، الشيخ عبدالله السالم).

إن هذا التوجه للدولة، آنذاك، ساهم في توحيد الشعب الكويتي، بالإضافة إلى وجود التيار الوطني بقوة في الشارع الكويتي، خصوصاً خطابه الوطني الجامع، وطرحه للقضايا والمطالب الشعبية التي كانت تمثل جميع المواطنين، بلا تحيُّز، وكان يتقدمهم المرحوم الرمز العربي جاسم القطامي، والراحلان سامي المنيس، ود.أحمد الربعي، ود.أحمد الخطيب، وعبدالله النيباري، وحمد الجوعان وغيرهم.. في حين ظلت النزعات الطائفية والتكفيرية ثقافةً وافدةً من خارج الحدود أفرزتها التحولات والتغيرات التي أصابت العالم العربي.. ففي ظل خلاف السعودية مع عبدالناصر، استقبلت دول الخليج الكثير من الجماعات الإسلامية، وخاصة بعد حادثة المنشية (26 أكتوبر 1954)، وفرار كثير من الكوادر الإخوانية من مصر إلى الخليج العربي، بالإضافة إلى الانكسارات التي أصابت التيارات القومية والناصرية بعد نكسة حزيران 1967، والرحيل المبكر للزعيم عبدالناصر، ومجيء أنور السادات خلفاً له بنهج انقلابي وانهزامي ورأسمالي، فقد تم في ما بعد حل مجلس الأمة الرابع، في 29 أغسطس 1976، حلاً غير دستوري، وتم تعليق بعض مواد الدستور، وأُغلق نادي الاستقلال، وتغيير الدوائر الانتخابية، تمهيداً لإدخال اللاعبين الجدد للساحة، وساد شيء من الاحتقان والانسداد السياسي بين السلطة والمعارضة، ثم جاءت الثورة الإسلامية في إيران 1979، التي فتحت شهية «الإسلام السياسي» للسلطة، فتحرك جهيمان العتيبي ورفاقه لاحتلال الحرم، وكذلك تمرد الإخوان على النظام السوري في حماة، لكن الفشل كان حليف الحركتين.

وبفضل دعم الحكومات العربية والخليجية، التي راهنت على نجاح الإسلاميين في مواجهة فكرة تصدير الثورة الخمينية، وإزاحة التيارات الليبرالية والعروبية والناصرية والتقدمية عن الطريق، فقد تسلمت التيارات الإسلامية في الكويت إدارة قطاعات واسعة في التعليم والأوقاف، من مدارس ومعاهد وجامعات ومناهج تعليم ومساجد، وتوليها المؤسسات الاقتصادية واللجان الخيرية، مثل «بنك بيت التمويل الكويتي، وجمعية الإصلاح الاجتماعي، وجمعية إحياء التراث الإسلامي، وبيت الزكاة، والجمعية الثقافية الاجتماعية»، ما وفَّر لها أموالاً طائلةً مكنتها، في ما بعد، من خوض الانتخابات، ودعم المرشحين الإسلاميين، واستقطاب الشباب، وتوظيفهم، وفتح المقار وعقد الدورات وإصدار المجلات، وأسلمة المناهج التعليمية بذريعة «الصحوة الإسلامية»، على حساب انحسار التيارات المدنية والوطنية الجامعة لمختلف طوائف المجتمع.

ويمكننا أن نفسر نشأة الغلو والتطرف والتطيّف والإرهاب والانقسام في المجتمع الكويتي في عدة محطات تاريخية، أولاها، مرحلة الثمانينات، فقد شهدنا أحداثاً جسيمة وخطيرة ساهمت في انقسام المجتمع طائفياً بعد اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، وما صاحبها من تفجيرات واضطرابات واصطفافات مع هذا الطرف أو ذاك، ما كرَّس الانقسام الطائفي.

والثانية، مرحلة الجهاد في أفغانستان بعد أن دخلها السوفييت، لتبدأ مرحلة تشكيل الخلايا الجهادية وولادة ظاهرة «الأفغان العرب» لنصرة الشعب الأفغاني، وقد ارتدت الإدارة الأميركية عباءة الإيمان والدين، لتؤدي دوراً كبيراً في توجيه المجهادين ضد «الإلحاد» الشيوعي، وكان الداعية الشيخ أحمد القطان نجم المرحلة في رواية عجائب المجاهدين وانتصاراتهم الإلهية، ما أكسب مجتمعنا ثقافة جديدة، وردتنا من ساحات الجهاد في أفغانستان والشيشان، تبنتها في ما بعد قوى الإسلام السياسي بقوة، كتطبيق الشريعة وأسلمة القوانين، وإقامة الحكومة (الخلافة) الإسلامية، وطرد المشركين والكفار والمبتدعين وإزالة معابدهم.

والثالثة، بدأت مع الألفية الثالثة بحدث مزلزل، وهو احتلال العراق، وما نتج عنه من تدمير وقتل وتهجير وفتنة مذهبية عمياء ساهمت فيها أطراف عديدة بالتحريض والتغذية، وقد رافقتها دعوات للمشاركة في الفتنة بذريعة الجهاد ضد الاحتلال «الأميركي – الصفوي» للعراق، ما ساعد على نمو الخلايا والتنظيمات «الجهادية»، التابعة للقاعدة، مثل تنظيم أسود الجزيرة، الذي تورط بأحداث يناير 2005 في مواجهات مع رجال الأمن، بالإضافة إلى انطلاق المنابر الطائفية والعنصرية، التي مزقت مجتمعنا، وصارت عملة رابحة للتكسب السياسي، فكان يكفي أن يكون المرشح للبرلمان طائفياً مدافعاً عن ثوابت الأمة أو حقوق الطائفة، أو عنصرياً يُهاجم «الغزو الداخلي»، حتى يحجز لنفسه مقعداً في البرلمان.

ورابعها، الأزمتان السورية والبحرينية، اللتان أفسحتا للمتطرفين والطائفيين مجالاً واسعاً للمتاجرة بحقوق الشعبين ومطالبهم المشروعة، لنجد إسلامياً أكاديمياً يُعلن بأنه قد نحر بضعة من المنافقين بسكينه، وآخرين يجهزون آلاف «المجاهدين»، لغزو سوريا، وثالثاً يجمع التبرعات ويرسلها للمسلحين (نشرت صحيفة الوطن بتاريخ 2014/4/26 نقلاً عن «واشنطن بوست» الأميركية تقريراً مقدماً من الخزانة الأميركية عن ملايين الدولارات التي تُرسل من رجال أعمال كويتيين دعماً لجبهة النُصرة والإرهابيين)، ومع ذلك لم نشهد مُقاضاة أو محاسبة جدية لهؤلاء الداعمين والمحرضين.

قد يقول قائل إن هذه رؤية تشاؤمية لواقعنا، فالجريمة الشنيعة وحَّدت صفوفنا، وإن القاتل ليس كويتياً، وكذلك معاونيه ومساعديه.. أقول إن هذه الوحدة الوطنية ما كان لها أن تكون بهذا التماسك، لولا الدعم الذي قدَّمه لها صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد، بوجوده في موقع الجريمة مباشرةً، لتهدئة النفوس وتضميد الجراح، وإطفاء نار الفتنة.

لقد تغيَّرت الكويت كثيراً، وتراجع دورها، بعد أن كانت تقدم للوطن العربي مجلة العربي، وعالم الفكر، وعالم المعرفة، باتت اليوم تصدر أبوجندل وأبوطلحة.
حفظ الله الكويت وشعبها وأميرها من كل سوء.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *