الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : دفاعا عن أميركا

ناصر العطار : دفاعا عن أميركا

ناصر العطار
ناصر العطار

انتماء الإنسان إلى مجموعة ما، لا يصح أن يعيقه عن قول ما يرى أنه صحيح، وفق وجهة نظره، حتى وإن اختلف في الرأي مع أغلب المنتمين إلى مجموعته أو مع بعض منهم، وإلا تحول الانتماء إلى قيد مصنوع من العصبية والجهل، وفقد الإنسان ضميره، وغاب عنه عقله، وضاع ارتباطه بالعالم أجمع.

نحن العرب أو المنتمين إلى الأمة العربية باللغة والجغرافيا والمصلحة يسر البعض منا حين يجد اعترافا من الغير بمسؤوليته عن أزماتنا وكوارثنا ودوره فيها، لكي يبتعد عن لوم نفسه ومحاسبة ذاته.. سرور بعضنا باعتراف الغير، نابع من عدم قدرتنا على الاعتراف بقلة ديمقراطيتنا، وبأنها غالبا ليست سوى ديكور للزينة، فالمجالس الشعبية، إن وجدت، لا يحسب لها حساب، لأنها منتخبة من رأي عام شبه مفكك.. إما بشراء الذمم وإما بالطائفية.

نعم، نحن أمة مستباحة، وأحد أوطانها مازال تحت الاحتلال المدعوم من قوى عالمية وشعبه مشرَّد في كل بقاع الدنيا، بما يقدر بـ 12 مليون لاجئ، وقد تعرَّضت أمتنا في أكثر من حقبة إلى الغزو الخارجي والدسائس والمؤامرات، إحدى هذه المؤامرات كانت موقعة وتم تدبيرها ضد مصر، بعد أن أممت قناة السويس عام 1956، وسميت المؤامرة بمعاهدة سيفر، نسبة إلى المدينة الفرنسية سيفر، التي اجتمع فيها ممثلون عن فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، ووقعوا معاهدتهم التآمرية، التي خاب مسعاها، بعد ملحمة الصمود المصري، والتحام الشعب وشعوب العالم الحُر معه، وتفاعل المصالح الدولية التي قامت بدور مساعد.

في الأسبوع الماضي، قال باراك أوباما إن أميركا تدرّب قوات «داعش»، واعتبر البعض منا أن ما قاله الرئيس الأميركي اعتراف يحل من خلاله لغز ظهور تنظيم داعش، بينما قال البيت الأبيض إنها زلة لسان، فقصد الرئيس، هو أن أميركا تدرّب القوات العراقية!

لو فرضنا أن ما قيل هو اعتراف أميركي صريح، فذلك ليس بمستغرب، لثلاثة أسباب؛ الأول أن قوة «داعش» وقدرته في السيطرة على كثير من المناطق في سوريا والعراق من الصعب أن تكون ذاتية، وكثير من التقارير الصحافية تتحدث عن دعم استخباراتي عربي وغربي لـ«داعش»، ومن الأصح أن يطلق عليه التنظيم العالمي، وليس الإسلامي.

أما السبب الثاني، فإن أميركا بلد لا يطول فيه الحجر على المعلومات كثيرا، ولا يسمح فيه بمنع البحث عن المعلومة، إذا ما أراد أحد التوصل لها، فالشفافية في أميركا ضخمة على كل مستوى، وربما يكون هذا سببا من بين الأسباب التي تساعدها على تجديد روحها وحماية نفسها من الوهن، فهي تملك في آن واحد وقاحة التناقض وحق المحاسبة.

أما ثالث الأسباب، فإن مصلحة السياسة الأميركية في صناعة عدو مصطنع باقية، حتى يدوم ابتزازها للآخرين، ولا مانع لديها من أن تقوم هي بنفسها بكشف آلاعيبها، ما دام الآخرون لا يمانعون في قبول ابتزازها.

ما فائدة الاعتراف الأميركي، إذا كانت أغلب الحكومات العربية، مثل السياسة الأمركية، تحارب عدوا تعرفه تماما ظهر نتيجة تجهيلها لعقول الناس واستبدادها لهم، ورفضها للديمقراطية؟

فهذه الحكومات تفرّق بين الناس بالتطرف، وتبتزهم بالتخويف منه.

إحدى الأمهات الطيبات كتبت تغريدة في «تويتر» بعد أربعة أيام من انفجار مسجد الإمام الصادق، تقول فيها «أولادي ذهبوا إلى المسجد للصلاة.. أطول ثلث ساعة في حياتي».

إن شعور الناس بالقلق ليس عيبا، وقدرتهم على مصارحة أنفسهم واحترام اختلافاتهم وتحديد مصلحتهم المشتركة وبروز رأيهم العام، سيجعل من قلقهم أمرا إيجابيا.

لا أظن أن أحدا تبقَّى في الأمة لم يبتز الشعب العربي، فحتى مَن قاوم إسرائيل، كالحركات المتأسلمة في جنوب لبنان وغزة، لا تتحرك إلا حين تشعر بخطر يمسها، لأن لديها مشاريعها الخاصة، ولتذهب بالنسبة لهم حرية وكرامة الشعب العربي إلى الجحيم، ولتستمر بعض الأنظمة المهترئة والظالمة برفع شعار تحرير فلسطين، طالما بقيت مشاريع الحركات المتأسلمة وتحالفاتها مصانة.

السياسة الأميركية، على ذنوبها وجرائمها، تمتلك جرأة الاعتراف في بلد الرأي العام فيه مؤثر.. أما الغالبية العظمى من الحكومات في هذه الأمة، فلا يعترفون بذنب، ولا يراجعون حسابات، ولا يخططون لمستقبل.. وكان الله في عون شعوب الأمة!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *