الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : النظام السياسي الفلسطيني.. أكثر انكشافاً وتفككاً!

ماجد الشيخ : النظام السياسي الفلسطيني.. أكثر انكشافاً وتفككاً!

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

يشكل غياب أو تغييب الإرادة السياسية، لإنهاء الانقسام السياسي والجغرافي في الوضع الوطني الفلسطيني، القاسم المشترك لطرفي الانقسام، الذي ما عاد هو الاستثناء، بقدر ما صار هو القاعدة، لدى العديد من أطراف الوضع الوطني، أساسيين ومستفيدين، ممن باتوا أكثر تعايشاً وقبولاً وتأقلماً مع وضع استثنائي، لا يبدو في نظرهم، أنه يلحق أضراراً مصيرية، أو يؤثر أيما تأثير بالعلاقة مع الاحتلال، بقدر ما يخصم من جدل التناقض معه، ويحسم أموراً لم تكن بديهية يوماً، حيث الصراع كعامل رئيس من عوامل جدل العلاقة بين الفلسطينيين وكيان الاحتلال الاستيطاني العنصري، جرى تبهيته وتفويته، وكأنه لم يكن بهذه الحدة أو تلك، كونه صراعاً على الأرض وعلى الوطن وعلى الإرادة، وهذا ما ليس ممكنا البت فيه بشكل فوقي، وعبر سياسات فئوية أو فصائلية أو نخبوية، وعلى قاعدة مصالح مماثلة زبائنية أو ريعية الطابع.
إن تجاهل البعد، أو الأبعاد الوطنية، لقضية احتلال الأرض الفلسطينية التاريخية، والهبوط بهذه الأبعاد إلى درك المصالح الشخصية والزبائنية، هو ما أدَّى ويؤدي إلى تغييب إرادة التصالح مع الذات ومع الواقع الموضوعي، لتذليل عقبات إنهاء الانقسام في الوضع الوطني، حتى بات اللعب بطرفي الانقسام واقعاً قائماً، من جانب الاحتلال، الرابح الوحيد من واقع التباعد السياسي والجغرافي بين أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية، من قبيل الهذر بشأن المفاوضات، وأوهام إقامة «دويلة غزة»، وهي المسألة التي يجري إثارتها هذه الأيام، كبند خلافي جديد بين طرفي الانقسام.

يتضح من هذا، أن الحسابات السياسية التي قد تطرأ منذ الآن، وفي المستقبل، وهي تتغذى من الحالة الانقسامية، لن تأخذ بعين الاعتبار عمومية الحق الفلسطيني وشموليته، كما هو مجسَّد في أذهان الأغلبية الفلسطينية داخل الوطن وفي الشتات، وضرورة التئامه وإيصاله إلى مآلاته المفترضة، وفق مشروعه التحرري.

بالتوازي مع وضع فلسطيني معقد، وأكثر ضياعاً، هناك استدارة كاملة من قِبل نتنياهو، العائد «منتصراً» من انتخابات الكنيست العشرين، عما شكل فحوى إعلانه الشهير في جامعة بار إيلان، وفي ظل احتدام الجدل والتفارق الإسرائيلي – الأميركي بشأن عدد من القضايا، أبرزها الخلاف حول اتفاق لوزان والاتفاق النهائي بشأن النووي الإيراني، حيث يبقى الوضع الوطني الفلسطيني هو الخاسر الأكبر، ليس بفعل غياب أو تغييب «حل الدولتين»، بسبب عدم إيمان الجانب الإسرائيلي، ومن ورائه الأميركي، وكثافة الاستيطان ومصادرة المزيد من أراضي الفلسطينيين، ولاسيما في الأراضي التي يفترض أن تكون ضمن نطاق الدولة الفلسطينية المفترضة، بل وبفعل اجتماع الطرفين الأميركي -الإسرائيلي في مواجهته، فرادى أو مجتمعين، في محاولة لتطويعه واستفراده، لجره إلى مفاوضات غير متكافئة بالمطلق، لا مرجعية ولا أساس لها، وتملك من الوضوح ما يؤهلها لرؤية ولو بصيص أمل في نهاية النفق، حتى حين يُقال إن الإدارة الأميركية لديها وثيقة تعترف بأن مرجعية المفاوضات تستند إلى الاعتراف بحدود عام 1967.

في ظل وضع هذه سماته وملامحه العامة، يشكل الاستمرار في بناء «البديل السياسي» عن منظمة التحرير، والانسياق خلف أوهام الفصل السياسي بين غزة والضفة الغربية، عبر ما يجري مما يُقال إنها «مفاوضات»، أو ما يُسمى «دردشات تفاوضية» غير مباشرة بين إسرائيل و«حماس»، بهدف التوصل إلى إقامة «دويلة غزة»، وغض النظر عن ذلك، والتهاون إزاء الدفاع عن المشروع الوطني الفلسطيني، بسماته التحررية، انسياقا خلف تكريس وضع انشقاقي تفتيتي، تشظّت على وقعه الحركة الوطنية الفلسطينية، وبالمقابل، فإن تكريس واقع منظمة التحرير وتثبيته على حاله المترهل، لا يقل تكريساً لروح الانشقاق، وديمومة الفعل الانقسامي، لأهداف تتغاير ومنطلقات التحرر الوطني، والمبادئ الكفاحية العامة للمشروع الوطني الفلسطيني الموحد.

إن إصراراً على تأجيل المصالحة، وتنفيذ اتفاقيات رأب الصدع الوطني، وممارسة حكومة الوفاق لمهامها، أو بالأحرى السماح لها بذلك، وتنفيذ أجندة وبنود اتفاقات المصالحة، والتهرّب من استحقاقاتها، إنما هو يعكس إصراراً على المضي بمشروع الانقسام السياسي والجغرافي حتى النهاية، نهاية إيقاع أكبر الأضرار الممكنة بالمشروع الوطني الموحد، ومواجهة مهام التحرر الوطني وإنهاء الاحتلال، واستبدال كل تلك الأهداف الدنيا، بأدنى من هدف إقامة «سلطة بديلة» لسلطة لم تفلح في الحفاظ على هيكلية موحدة لها، في مواجهة مهامها هي، التي أنشئت من أجلها، لا من أجل مشروع التحرر الوطني بآفاقه الأرحب والأبعد.

وفي ظل غياب فاعلية النظام السياسي، أو تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، والاتفاق على معالجات سياسية ملزمة لمسألة الانقسام، وغياب أو تغييب حال التوافق الوطني على إجراءات تلك المعالجة، يقف النظام السياسي الفلسطيني، وهو أكثر انكشافاً وتفككاً، في مهب عواصف التشكيك بشرعيته الكاملة من قِبل أعدائه ومنافسيه على حد سواء، الأمر الذي يعرّض المشروعية الوطنية والشعبية للنظام السياسي للانتقاص منها، والنظر إليها كونها عديمة الجدارة، منتقصة الأهلية، ومنتزعة من جذورها الشعبية والسياسية.

لهذا، فإن ما ينبغي أن يمتلك ناصية الأولوية، يتركز راهناً على ضرورة العمل على استعادة الشرعية الكاملة للنضال الوطني، وإعادة تأسيس وحدة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، نقيضاً لمطامح و«وحدة» النخب، ومصالحها الريعية والزبائنية، وعلاقاتها القبلية والعشائرية والفئوية والفصائلية الضيقة.

وبالتالي، لابد من إعادة صياغة الأداة الكفاحية العامة للمشروع الوطني، كونها المظلة الشرعية الموحدة لوضع وطني فلسطيني، آن له أن يواجه تحديات المرحلة، بما يلبي إمكانية التصدي، ومواجهة المهام الوطنية العليا واحداً موحداً.

لقد شكَّل افتقاد الإطار السياسي والعقلاني، طوال سنوات الانقسام المرة، وبما يكفل حسم الخلافات السياسية الوطنية بين أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية، الباعث الأول لافتقاد آليات الوصول إلى ما ينبغي لحركة تحرر وطني أن يكون رائدها الأول والأخير، من أجل تذليل عقبات الوصول إلى أهدافها، لا تعقيد الوصول إلى تلك الأهداف، عبر ترسيم وقائع ومعطيات تضع العصي في دواليب المهام الكفاحية في كل آن وحين.

إلا أن الصراع السلطوي، بين مكونات تحررية وطنية، أو بالأحرى بين مكونين أساسيين، يحملان سمات فئوية خالصة، من المؤسف أنهما نجحا في تمركز كامل المسائل والقضايا التي تتعلق بالتحرر الوطني للشعب الفلسطيني حول ذاتيهما، مثل هذا الصراع وبالروحية التي نشهدها، وبمنطق الغلبة، والنزوع الاستعلائي، لن يفضي بالتأكيد إلى استعادة مركز الجذب الرئيس العامل والأفعل، لمصلحة الائتلاف الوطني الشامل، فلأي الجهات يميل الوضع الوطني الفلسطيني، وهو أكثر جموداً، مما سبق، وأكثر عجزاً عن الحراك، وأكثر تقاعساً عن تنفيذ حتى تلك المهام الفئوية أو الفصائلية التي أناطها البعض بنفسه ولنفسه، في معزل عن الوضع الوطني بسماته العامة؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *