الرئيسية » عربي ودولي » معركة «تكسير عظم» في مصر.. في انتظار مَن يجني ثمارها!

معركة «تكسير عظم» في مصر.. في انتظار مَن يجني ثمارها!

كتب محرر الشؤون العربية:
فيما يضرب الإرهاب بآلته الهمجية عددا من المناطق في مصر، مخلفا خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، يبدو مظهر الانقسام السياسي مسيطرا على الأحداث على مدى أربع سنوات بعد ثورة التغيير التي اندلعت في ذلك البلد، من دون وجود أفق يحسم أمر التنازعات، ويفضي إلى نظام سياسي قوي يستكمل روحية الثورة، ويضمن بناء المشروع الوطني على أسس متينة توقف أشكال التفسخ والارتباك العام، الذي بدأت تجني ثماره قوى معادية لثورة يونيو.

مرحلة حرجة

مشهد الانقسام في الساحة المصرية طال مؤسسات كثيرة، على رأسها الأحزاب السياسية التي دخلت مرحلة حرجة جعلتها عاجزة عن التفاهم حول رؤية محددة لقانون الانتخابات، مثلا، الذي تمَّت حوله نقاشات مستفيضة، برعاية الحكومة، ولم تخرج بنتيجة تفضي إلى الوصول لمشروع جامع يصلح لأن تجرى الانتخابات البرلمانية المقبلة بموجبه.. وبدلا من التفرغ لتقديم رؤية شاملة لمشروع قانون، انصبَّت الاهتمامات على تصفية الحسابات.

هذا التباين الخطير، بدأت تجلياته تظهر بصورة واضحة داخل الكثير من الأحزاب المصرية، وأضحت المعارك السياسية عنصرا مشتركا في غالبيتها، ليس فقط بسبب آليات التعامل مع القضايا المطروحة، لكن بسبب تصاعد التراشق بين القيادات الحزبية، كأن هناك مَن يغذيها، لإضعافها جميعا، حيث بدت الخلافات سمة مشتركة داخل هياكل القوى الحزبية، بما حال دون تشكيل قائمة موحدة لدخول الانتخابات، بل حال أيضا دون نجاح كل حزب بتكوين قائمة بمفرده، حتى أنهكت المعارك معظم الأحزاب، ولم تمهلها فرصة للتفكير في المستقبل، وسط حالة من السيولة لحقت بكثير من الهيئات في الدولة.

أمراض تاريخية

وإذا كانت حال الأحزاب مليئة بالمناورات والصراعات التي تنخر في مواقفها وأفكارها، أسبابها مفهومة، حتى الأحزاب الحديثة انتقلت إليها الأمراض التاريخية ذاتها، من عجز وقصر نظر سياسي، فإن ما يصيب بالحيرة، أن الانقسامات ارتفعت بشكل مثير في الجسد الإعلامي، ونشأت سلسلة من الحروب بين عدد من الإعلاميين، كشفت عن حجم كبير من العورات القانونية والمهنية، سمحت للبعض بارتكاب تجاوزات خيالية، وصلت إلى درجة عدم احترام الخصوصيات، والنيل من الحريات الشخصية، وركزت بعض البرامج على إذاعة مكالمات بين سياسيين وقوى شبابية، وإعلاميين أيضا، وتوزيع اتهامات بالخيانة والعمالة، الأمر الذي ضاعف الهوة، وساهم بشيوع أجواء من التربص، وصلت إلى ساحات المحاكم.

اللافت للنظر، وسط هذه الأجواء السلبية، أن النظام الحاكم لايزال مفتقرا إلى غطاء حزبي يقوّي عوده في هذه الغابة الشائكة من الانقسامات.. ومع أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حرص منذ توليه السلطة على عدم الانشغال بتكوين مظلة حزبية، إلا أن بعض التقديرات السياسية رأت ضرورة وجود حزب أو أكثر يمثل رافدا للنظام، وبدأت عمليات جس النبض لتكوينه، لكنها أخفقت في الوصول لصيغة مرضية تصلح لتكون رديفا غير مباشر للنظام.

ترف سياسي

ويرى مراقبون أن العمليات الإرهابية التي نشطت، ولا تزال، في أكثر من بقعة داخل مصر، لم تترك مجالا للسلطة لكي ترتّب البيت الداخلي، حتى تحوَّل مجرد الحديث عن الاستقرار السياسي ـ حزبيا كان أم إعلاميا ـ إلى نوع من الترف، في وقت تتشظى فيه أجساد المصريين بالقنابل والسيارات المفخخة في سيناء والقاهرة وغيرها.

وعلى الرغم من ذلك، وفي ظل التباين الواضح حول فكرة الرافد السياسي للدولة المدنية، ظهرت مؤشرات لتكتلات حزبية جديدة يمكن أن تمثل منغصا للنظام الحاكم إذا اكتملت رؤاها السياسية، ولاسيما أن الدستور منح البرلمان القادم والكتلة التي سوف تنجح في تشكيل الحكومة صلاحيات واسعة، تناطح رئيس الجمهورية، لذلك استخدمت الحكومة الحالية صلاحياتها في الاستفادة من الوقت، والتمهل وعدم الاستعجال في إجراء انتخابات قد تفرز قوى برلمانية لها طموحات تتصادم مع أهداف النظام الحالي، وهو ما ساهم في اتساع نطاق الخلافات بين القوى الحزبية، كما تحول التأخير إلى عنصر سلبي يعمل ضدها، بدلا من أن يكون أحد عناصر الإضافة وإعادة ترتيب الأوراق على أسس إيجابية والتخلص من مخلفات الحقب السابقة.

فتّش عن «الإخوان»

وعلاوة على كل ذلك، نرى أن عددا كبيرا من الأحزاب تفرغ لتكسير عظام منافسيه، في محاولة لإضعاف موقفهم، أملا في السيطرة على أكبر كتلة برلمانية، وقد نشبت معارك بين قوى حزبية مختلفة حسبت أن حظوظها جيدة في الحصول على نسبة مرتفعة من مقاعد البرلمان المقبل، غير أن حصيلة المناوشات انتهت بالإساءة إلى سمعة بعض الأحزاب أمام الرأي العام، خصوصا أن هناك قوى يقف وراءها رجال أعمال يريدون فرض إرادتهم ورعاية مصالحهم، من خلال الاستحواذ على البرلمان.

الحاصل أن التفسخ والتباين اللذين يخيمان على المشهد السياسي العام في مصر، يفتحان الباب أمام المزيد من الصراعات، لأن عدم وجود كتلة حزبية متماسكة، قد يخدم النظام الراهن وتمكينه من الإمساك بالخيوط الرئيسة، لكنه يكشف جملة من العورات، أهمها عدم الاستفادة من تجربة الفراغ الحزبي في عهد نظام حسني مبارك، الذي مكن جماعة الإخوان المسلمين أن تتحول إلى قوة محورية، الأمر الذي يُنذر بعدم استبعاد أن يستفيد التيار الإسلامي من هذا الفراغ مرة أخرى، ويُعاد تكرار المشهد بطريقة أشد ألما.

Print Friendly

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *