الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : لا تعاندوا طبيعتكم أيها الكويتيون!

ناصر العطار : لا تعاندوا طبيعتكم أيها الكويتيون!

ناصر العطار
ناصر العطار

في الخامس عشر من أبريل عام 1976، تابعت الأغلبية الساحقة من الكويتيين، بتلقائية ووطنية جميلة، انطلاقة اللاعب الدولي عبدالعزيز العنبري بالكرة نحو مرمى حارس منتخب العراق، مسجلاً هدف الحسم، بعد تمريرة سريعة من زميله اللاعب السابق فيصل الدخيل، في المباراة النهائية لكأس الخليج الرابعة، التي أقيمت في قطر، وجمعت بين المنتخبين الكويتي والعراقي.

في العام نفسه، كانت هناك ثقافة من نوع جديد بدأت تتغلغل، تدريجيا، في المجتمع الكويتي وتتمدد بين أفراده، ثقافة متزمتة مناهضة للطبيعة الكويتية التي على أساسها تابع الكويتيون إنجاز منتخبهم الوطني وفرحوا به فرحاً عارماً.

كان مقبولاً، بل وضرورياً، أن يراجع المجتمع العربي أفكاره بعد هزيمة العرب عام 1967، كردة فعل طبيعية.. فبقدر ما تكون الطموحات جادة والآمال صادقة، تكون المراجعة بالقدر نفسه من الجدية والصدق، لكن ما جرى بعد الهزيمة كان انقلاباً فكرياً مدعوماً من أغلب الحكومات العربية على مبادئ الحرية والسماحة والكرامة، التي ناضل لأجلها جيل الخمسينات والستينات، وقد جاء هذا الانقلاب بثقافة غيَّرت طبيعة الكويتيين، وأعادت وضع الحواجز الطائفية والقبلية بينهم، بل إن الفروقات الطبقية وجدت لها مكاناً، وبالتالي ضاع معنى العدالة والمساواة، وفقد الرأي العام وزنه وتأثيره.

كان عام 1976 هو عام انطلاق تحالف الحكومة في الكويت مع قوى الإسلام السياسي علانية، بعد حل مجلس الأمة حلاً غير دستوري، ومساندة جماعة الإخوان المسلمين لخطوة الحكومة، ودعم هذا التحالف ثقافة التزمت والتشدد بقوة، وغرسها في أغلب نفوس الكويتيين، التي لم تكن متشددة وطائفية في ذلك الوقت، ومضى النهج الحكومي بكل عناد نحو تغيير ثقافة الكويتيين، التي تتسم طبيعتها بالحرية والسماحة والكرامة منذ أن اختار الكويتيون بملء إرادتهم حاكمهم الأول، والتي اتسع نطاقها مع سفرهم إلى الخارج للتجارة والتعليم، حيث تراكمت خبراتهم وازدادت جرأتهم في المطالبة بديمقراطية تعترف بحقوقهم العامة حتى تحقق لهم ما أرادوا عام 62.

في عام 1976، وحتى قبله، بدأ النهج الحكومي بتقويض أركان الديمقراطية، من خلال إقرار قوانين تقيد حريات الكويتيين في وظائفهم العامة وفي آرائهم المتنوعة عام 1965، ثم تم تزوير نتائج انتخابات مجلس الأمة عام 1967، واحتاجت الثقافة الجديدة بقيادة تيار الإسلام السياسي أن تسيطر على ثلاث وزارات، حتى تترسخ في المجتمع، وتكون أمراً واقعاً لا مجال فيه حتى لمناقشته، وهي وزارات الأوقاف والتربية والإعلام، فمنذ أكثر من ثلاثين سنة وهذه الوزارات الثلاث، التي تعتني بتعليم الأجيال وتثقيفها، سلمت قواعدها التنفيذية للتيار المتأسلم الإقصائي، ولنا أن نتصور كم جيلاً كويتياً تعلم وتثقف على أيدي أجهزة الوزارات الثلاث؟! كم جيلاً كويتياً ترعرع من دون أن يتعلم وضع اعتبار للاختلاف والتنوع؟! كم جيلاً كويتياً نشأ على تكفير الناس؟! كم جيلاً كويتياً تعلم على كراهية الفنون والشك في أعراض الناس وعدم احترام الحريات الشخصية؟! كم جيلاً كويتياً تثقف على قبول الخوف من نفسه، حيث ينتخب نائباً يدافع عن وجود طائفته وقبيلته وعائلته؟!

هذه التغييرات السلبية، التي أصابت الكويت في أجيالها المتلاحقة، أغرت الطائفية بالتوغل في جسد الوطن، مراراً وتكراراً، كان آخرها قبل مدة قصيرة في مجلس الأمة، الذي لم يعد يجسد الشعب بهويته الجامعة منذ سنين، حيث تتكرر فيه المعارك الطائفية بين كل حين.

وجاءت الطائفية بقنابلها في يوم 26 يونيو الماضي، حيث تفجر مسجد الإمام الصادق، لتتناثر أشلاء الكويتيين بين شهيد وجريح، وتنكشف الرعونة الأمنية تجاه مَن هدد بتفجير المساجد قبل وقوعها بشهور.

استنكر الكويتيون الجريمة، وإن لم يكن استنكار بعضهم إنسانياً خالصاً، كما قصد أ.عبداللطيف الدعيج، لكن الكويتيين قادرون على استعادة طبيعتهم الجميلة، فهي تبقى طبيعتهم، مهما جارت عليها السياسات الحكومية.. والمطلوب يا حكومة، ليس مجرَّد إلقاء القبض على الجناة المغرر بهم، الذين تضيق بهم سبل الحياة الكريمة أو تعديل بعض المناهج التربوية، بل إن إعادة الاعتبار للدستور المهمَّش، والعمل بموجب نصوصه يختصر كل مطلب، حتى تشهد الكويت وحدة وطنية حقيقية قائمة على مشاركة الشعب في اتخاذ القرار.. شعب لا يكفر نفسه، ولا يحتقر حريته، ويحترم تعدده، من خلال مجلس أمة فعال لا يتكسب نوابه على حساب دين خلق الله.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *