الرئيسية » آخر الأخبار » تصريحات العمير ليست زلة لسان.. وعليه إثباتها بالدلائل أو الاستقالة

تصريحات العمير ليست زلة لسان.. وعليه إثباتها بالدلائل أو الاستقالة

علي العمير
علي العمير

محمد الغربللي:
هي زلة لسان، باعتراف صاحبها، ثم باعتراف مَن يرأسه، وفي النهاية أودت بقائلها إلى الاستقالة.. هو وزير العدل المصري السابق د.محفوظ صابر، وزلة لسانه هي عندما صرح في مداخلة له «أن أبناء الزبالين لا يمكن أن يكونوا قضاة»!

كان يمكن أن يعبّر عن رأيه بخصوصية الجانب الاجتماعي المحيط بالقضاء أو تكوينه العائلي بألف طريقة وطريقة، لكنه استخدم الجملة الشعبية البلدية «ابن الزبال»، كأدنى مهنة في المجتمع المصري، والتي تعني الفقر والعوز وقلة التعليم أو انعدامه.

زلة اللسان تلك قادته، بتعليمات ما، إلى الاستقالة من الحكومة المصرية في مايو الماضي، حتى بعد اعتذاره وتأكيده أنها خرجت عفويا، ولم يقصد منها التقليل من شأن فئة الزبالين أو ازدرائها، بل حتى بعد أن ذهب رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب إلى التصريح، بأن جملة الوزير لا تعدو كونها زلة لسان، على اعتبار أنه حتى وزيره المستقيل أتى من بيئة اجتماعية بسيطة، فوالده ليس من الأعيان، بل رجل بسيط استطاع تعليم أبنائه، ومنهم وزير العدل، لكن في جميع الأحوال زلة اللسان تلك قادته إلى الاستقالة من منصبه، مع أنه ليس أمامه مجلس شعب ليحاسبه على أقواله، بل بسبب ما أُثير ضده من قِبل الصحافة وأدوات التواصل الاجتماعي على تصريحه المسيء لفئة من المواطنين.

جابر المبارك
جابر المبارك

تصريحات خطيرة

ما يهمنا من تلك الحادثة التي أخذت بُعداً واسعاً من جراء متابعة الأوضاع في مصر، هو مقارنتها بالتصريحات الخطيرة التي أدلى بها وزير النفط د.علي العمير، بتوجيهه اتهامات أخذت طابع التعميم على العاملين، وخصوصا القياديين في القطاع النفطي.. لم يكن ما قاله زلة لسان، بل تصريح طويل عريض، مبرراً به تعديلاته التي كان ينوي القيام بها في القطاع النفطي.

لم يصدر أي اعتذار من الوزير، ليعلن فيه أن تصريحه كان مجرد زلة لسان، كما لم يشر إطلاقاً إلى نيته تقديم استقالته، إثر توجيه اتهامات لقطاع يرأسه، بل استمر في منصبه، وكأن شيئا لم يكن، ولا حديثا خطيرا أدلى به في شهر مايو الماضي، بقوله «ارتجاف الخصوم وأرباب المناقصات المليارية» منذ مجيئه لوزارة النفط من الذين تمَّت ترسية المناقصات عليهم من دون وجه حق»، كما أنه في تصريحه كان «يتحدى أوكارهم وفرق استشعارهم ومخابراتهم»!

رؤية الوزير

إذن هي ليست جملا عابرة، لكنه قدر من التصور لدى الوزير بما ينوء به القطاع النفطي، ونحن معه تماماً بالمحافظة على المال العام في القطاع النفطي أو غيره من القطاعات الأخرى بالدولة، ومسؤوليته الوزارية تنحصر في القطاع النفطي، وعليه الكشف بالأسماء والمناصب عمن يسهل عملية تسهيل المناقصات المليارية، كما ورد في تصريحه، بل يفترض بعد أن مضى قدرا من السنوات أن يكون قد اتخذ إجراءات عملية، لمواجهة مثل تلك التجاوزات.. وفي حال عدم اتخاذه أي إجراءات تجاه تلك التجاوزات، وفق النعوت التي أسبغها على العموم، فإن ذلك يُعد تقصيرا يُساءل عنه، ليس بالضرورة من قِبل أعضاء مجلس الأمة، بل من رئيس مجلس الوزراء، الذي – كالعادة – لم نسمع له صوتا أو حديثا تجاه هذا الأمر.. وفي حال عدم صحة كلام واتهامات الوزير التي وجهها، فإن عليه أن يترك منصبه، اعتذارا عن «زلات اللسان» التي أطلقها، أو أن يوعز إليه بتقديم استقالته على ما صرَّح به من دون استناد إلى إثباتات وبراهين، وهنا يفترض أن يأتي دور رئيس مجلس الوزراء تجاه وزرائه من دون مجاملة أو محاباة لأي طرف كان، لكن لدينا رئيس مجلس وزراء أخذ جانب النأي بالنفس في حكومته هذه.

حالات سابقة

عدة وزراء استقالوا، منهم من عُرف سبب استقالتهم، وآخرون لم يتم التعرف عليها، منهم وزير التربية، ووزير التجارة والصناعة، الذي ألمح إلى الفساد في الأداء الوزاري، وآخرهم كان وزير الأشغال والكهرباء.

لم نسمع مبررات خروجهم وتركهم مناصبهم الوزارية، ولم نسمع أيضاً من رئاسة الوزراء إلا قبول الاستقالة، والتمنيات بالتوفيق ومراسيم التكليف والتعيين في ما بعد.. لا الوزراء أدلوا بدلوهم بكل شفافية، ولا رئيسهم أوضح ملابسات استقالاتهم.

في حالة العمير لدينا وزير ينشر اتهاماته كيفما شاء من دون مساءلة من رئيسه المعني بتسيير مرافق الدولة، الذي لم يتحدث ولم يبدِ رأيه في ما صرح به الوزير، وهنا، فإن تحمُّل المسؤولية لا تعني السكوت، فالسكوت لمن لا يتحملها لا يعني الذهب.

لقد أصبحت الشجرة الحكومية شبه جافة، بعد تساقط أوراق عدة وزراء منها، بداية من وزير التربية د.نايف الحجرف، بعده وزير الأشغال والكهرباء، الذي مرَّت استقالته بنوع من الكتمان والتستر على ما تقدم به في خطوته تلك، وآخرها وزير التجارة والصناعة د.عبدالمحسن المدعج، الذي ألمح مجرد تلميح إلى محاربة الفساد بعنوان عريض من دون توضيح.

شجرة يابسة

إنها إذن شجرة غير يانعة أمام مجلس أمة فقد عنصره الرقابي، مقارنة بالمجالس السابقة، وبالتالي أصبحت الشجرة الحكومية أكثر يباساً واصفراراً.

نحن أمام تصريح وزير لا يعكس آراءه، بل ما يواجهه وفق قوله من فساد وتغول على المال العام في القطاع النفطي، هو تصريح متكامل، وليس مداخلة عبَّرت في ثناياها عن زلة لسان، فضلا عن أن هذا التصريح انعكس على أعمال القطاع النفطي، العمود الفقري للبلاد، وتناقلته مجلة «ميد» المتخصصة في الاقتصاد والنفط، وما زالت آثار هذا التصريح مستمرة ومتواصلة ما بين مسؤولي القطاع، ولم يصدر حتى الآن لا اعتذار وتنويه عن استقالة ولا إقالة من أي طرف كان، سواء من الوزير المعني أو رئيس الوزراء، ويبدو أن قدرا كبيرا من الماء في الأفواه، على الرغم من حلول شهر رمضان، بحيث لا يستطيع طرف ما التصريح أو الاعتذار أو الاستقالة، فكل شيء بالنهاية يسير بأوامر.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *