الرئيسية » سعاد فهد المعجل » سعاد فهد المعجل : العقل الجمعي

سعاد فهد المعجل : العقل الجمعي

سعاد فهد المعجل
سعاد فهد المعجل

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي، أخيرا، فيديو لشخص يتحدَّث عن ظاهرة أو نظرية العقل الجمعي، أو ما يُعرف بالأثر الاجتماعي المعلوماتي.. ووفق المراجع المعقدة، فهي ظاهرة نفسية تفترض فيها الجماهير أن تصرفات الجماعة في حالة معينة تعكس سلوكاً صحيحاً وسطوة أثر الجماعة على الفرد التي تظهر قابليته للانصياع إلى قرارات معينة، بغض النظر عن صوابها من خطأها، أو في ما يسمى بسلوك القطيع.

في الفيديو الذي أشرت إليه في البداية يتحدث أحد الشباب عن أشهر دراسة للعقل الجمعي، وهي تجربة مظفر شريف، التي أجراها في عام 1935، وشرح على ضوئها كيف تتشكل العداوات بين البشر، أو بين مجموعتين مختلفتين.. التجربة تمت كالآتي: أتى بأربعة وعشرين شخصا لا يعرفون بعضهم بعضا، وقسَّمهم إلى فريقين، اصطحبهم في نزهة إلى مخيم لمدة ثلاثة أيام، في اليوم الأول أجرى الباحث مسابقات تنافسية بين الفريقين، ثم قام بفصلهم أثناء وجبة الغداء، أي كل مجموعة تناولت طعامها لوحدها، النتيجة بعد كل هذا التنافس، أن كل فريق بدأ يتعصب لفريقه ويكره الفريق الآخر، مع أنه لا يعرف أي من أفراد الفريقين في البداية، ثم بدأت المرحلة الثانية من البحث، حيث أتى الباحث بواعظ لينصحهم بالمشاركة في الأكل والنشاط، لكن ذلك لم يثمر، بل استمر الفريقان في عداء وخصومة، ثم بدأت المرحلة الأخيرة من التجربة، وذلك بقطع الماء عن المخيم كله، وبسبب أنه أصبح هناك مصير مشترك يجمع بين الفريقين، ولكي يستخدموا المياه، لابد أن يتعاونوا ويشتركوا في العمل على إعادة المياه إلى مجاريها للجميع، هنا تلاشت الخصومة، وأصبحوا جميعاً أصحابا، وعادوا إلى المدينة بعد هذه التجربة وهم سعداء.

جميعنا، بشكل أو بآخر، ننصاع في مرحلة ما من حياتنا لظاهرة العقل الجمعي، وقد نرى أحياناً في المواقف الصعبة أو الغامضة التي تحتار فيها عقولنا أن تفسير الغير أو الآخر، قد يكون أكثر صواباً.

إحدى الدراسات أشارت إلى أن الأشخاص الذين يستمعون لخمس وجهات نظر إيجابية مختلفة حول كتاب قرأه خمسة قرُّاء يميلون عادة إلى فهم هذا الكتاب بشكل أفضل وأوضح من لو أنهم سمعوا وجهة نظر قارئ واحد فقط.. الدراسات بهذا الصدد كثيرة، وكلها تشير إلى التأثير الاجتماعي والإعلامي في تحديد الهوية، بل وفي رؤية الهدف والصواب والخطأ، وغيرها من معايير قد تكون آثار العقل الجمعي فيها خطيرة وكارثية.

يأتي العقل الإبداعي كمنافس خطير للعقل الجمعي، فالعقل الإبداعي قد يصل إلى قرارات أكثر منطقية، وأقل سلبية وانفعالية، العقل الجمعي هو الذي صفق لـ«بن لادن» ونصَّبه بطلاً، وهو العقل نفسه الذي يمجد «داعش» وحلم دولة الخلافة، وهو المسؤول عن تمجيد الفتاوى التي بررت لهؤلاء الشباب تفجير أنفسهم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *