الرئيسية » قضايا وآراء » محمد الغربللي : العالم قرية صغيرة

محمد الغربللي : العالم قرية صغيرة

مراقبلم يلتفت المحرر المسؤول عن صفحة الوفيات في جريدة الأهرام المصرية إلى خبر العزاء المنشور في هذه الصفحة.. خبر عزاء شخص يُدعى شهدي عطية الشافعي.. فقد تعامل معه كبقية مربعات العزاء، بأحجامها المختلفة التي تنشر يومياً في الأهرام.. مجرَّد عزاء من أسرة لأحد أفرادها، كأي عزاء آخر، وكان ذلك في شهر يونيو عام 1965.. هنا انتشر خبر وفاة المناضل الوطني المصري شهدي عطية تحت التعذيب في أقبية سجن أبوزعبل المشهور، حيث تعرَّض أمام السجناء الآخرين للضرب والتنكيل، وحين فقد القدرة على الحركة والصراخ، تماما، اعتقد جلادوه أنه وقع مغشياً عليه، فقاسوا نبضه، ليجدوا أن قلبه قد توقف عن الخفقان.. كان يناضل منذ الأربعينات في صفوف الحزب الشيوعي المصري، واستمر في نضاله مع الثورة المصرية، مؤيدا الخطوات الوطنية، من تأميم القناة، وصد العدوان الثلاثي، وغيرها من الخطوات الوطنية التي اتخذها جمال عبدالناصر.

شاع خبر وفاة أو مقتل شهدي عطية من خلال هذا الإعلان الصغير في الأهرام، حينها كان جمال عبدالناصر مدعواً لحضور مؤتمر الحزب الحاكم في يوغوسلافيا الاتحادية، قبل التجزئة العرقية والتقسيم، مدعواً من صديقه الحميم تيتو، ولم يكن يعلم بمقتل شهدي عطية، إلا بعد أن سأله أحد الصحافيين اليوغوسلاف عن مبررات مقتله، فأعطى مبررات الجاهل بالشيء، ثم تحدث مع «الداخلية» المصرية، التي أكدت خبر مقتله، ما أصابه بإحراج أثناء زيارته، فقد كان يحضر كضيف على مؤتمر للحزب الشيوعي اليوغوسلافي، وفي الوقت ذاته يتم قتل أحد الأعضاء البارزين من مؤسسي الحزب الشيوعي المصري منذ أربعينات القرن.. في تلك السنوات كانت المصادفة وحدها هي التي أماطت اللثام عن الأحداث التي تجري في الخفاء، فغلطة المحرر المسؤول أو عدم درايته بأمر هذا الإعلان ووضعه ضمن إعلانات صفحة الوفيات، هي التي كشفت مقتل شهدي.. كان ذلك في حقب سابقة، الآن أكثر حوادث الانتهاكات تخرج للعلن بكاميرات الهواتف الذكية، وأي شخص يمتلك القدرة على نقل الحدث ونشره مباشرة على أدوات التواصل الاجتماعي بقليل من الثواني، فهذا ما حدث، مثلا، في أميركا، حين تهجم البوليس على متظاهرين من السود، وهذا ما حدث في باريس، من نقل صور دخول الإرهابيين إلى صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية، وإطلاق الرصاص على محرريها، ولا ينحصر الأمر في تلك الدول، بل في كافة الدول الأخرى.. أفلام تم نقلها عن حالات التعذيب التي تجري في السجون المصرية أيام حسني مبارك، قد تكون قد صورت من قِبل أفراد الأمن المتذمرين من هذه الممارسة.. الأمر ذاته نقلته أجهزة الهاتف، وتناقلته أدوات التواصل الاجتماعي عند الهجوم على ديوانية الحربش، وقيام أفراد من القوات الخاصة بالاعتداء على د.عبيد الوسمي.. حالات لا عدّ لها ولا حصر في هذا البلد أو ذاك، وبالذات في البلاد العربية، حيث يقوم هذا الجهاز الصغير المحمول باليد بنقل حالات التجاوز وانتهاك حقوق الإنسان، بعضها مناظر بشعة، كالتصوير الذي تمَّ في العراق لعملية حرق إحدى جثث قتلى الدولة الإسلامية ومجموعة من أفراد الحشد الشعبي وهم يسكبون الكيروسين على الجثة وسط تهليلاتهم وصيحاتهم.. ولا عجب أن يصدر خبر عن قيام السلطات العراقية بتوصية مسؤولي الحشد بعدم حمل أفرادهم هواتف التصوير، حتى لا تسجل أي تجاوزات من أفراد غير منضبطين.

نكرر أن العالم غدا قرية صغيرة، هو تشبيه دقيق تماماً، فالحدث في قرية صغيرة يتناقلها جميع سكان القرية، سواء مَن رأى الحدث في تلك القرية، أو مَن سمع به.. فبأدوات وأجهزة الهاتف وأدوات التواصل الاجتماعي وتطورها وسرعة استخدامها صار عالمنا قرية صغيرة، لا تسمع به فقط، بل تراه صوتاً وصورة، وهذا هو الفرق ما بين غلطة محرر صفحة الوفيات الذي مرَّ عليه الخبر من دون اكتراث، وبين ما وصلت إليه أيدي البشر من أدوات لنقل الأحداث، مهما كانت مغلَّفة بالسرية والكتمان أحياناً.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *