الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : استهداف الهوية العربية

أحمد الجاسم : استهداف الهوية العربية

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

تعرَّضت الهوية العربية، على مرّ التاريخ، إلى هجمات تستهدفها، وبموجات مختلفة، داخلية وخارجية.. ففي البدء كانت داخلية من المحيط الإسلامي، وتتمثل في السخرية من العرب وحضارتهم وطريقة عيشهم ومساكنهم ومقارنتها بحضارات أخرى متقدمة، في النظم والإدارة والبناء، كالحضارة الفارسية، مثلاً، ويمكننا أن نلحظ ذلك مع توسع الإسلام، شرقاً وغرباً، ودخول القوميات غير العربية في الإسلام، كالفرس والأتراك، عبر بوابة الفتوحات، ما مهد لظهور حالة من التنافس بين القوميات في السيطرة على السلطة والمال، وقد عكست سياسة الدولة الأموية ضد الموالي هذا المزاج، حين تم احتكار السلطة والمناصب العليا لبني أمية والقبائل العربية، وهي كانت مخالفة صريحة لروح الإسلام العابر للقوميات بقاعدة المساواة، التي دشنها الرسول محمد (ص)، «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»، ما أشعر الفرس بالغبن والتهميش، فانتقلوا إلى ضفة المعارضة للسلطة مع العلويين وبني العباس، وازدادت النزعة «الشعوبية» لديهم، ولم تتوقف حتى مع اتساع دولة بني العباس (1)، ما مهّد لولادة هوية قومية معاكسة ومشاكسة ضد العرب، تندب حظها وحضارتها وإمبراطوريتها الكسروية، التي تلاشت مع الفتح الإسلامي، مستهدفةً النيل من العرب والسخرية من حضارتهم، والإعلاء من شأن الفرس وحضارتهم.

وقد كانت المعارك الأدبية والثقافية، آنذاك، زاخرة بهذا التوجه الشعوبي العنصري في الشعر والأدب، كقول أبي نواس في قصيدة له، ساخراً من العرب ومساكنهم البدائية، وحياتهم الفقيرة، وطرقهم الضيقة:

ولا تأخذ من الأعراب لهواً
ولا عيشاً فعيشهم جديب
فأين البدو من إيوان كسرى
وأين من الميادين الزروب؟

(مارس بعض الليبراليين العرب، كعبدالله القصيمي والسيد القمني، تلك المهمة نفسها، نتيجة شعورهم بالدونية أمام حضارة الرجل الأبيض، فبالغوا بجلد الذات، والسخرية من العرب وعقليتهم ومنجزاتهم وأعرافهم ودينهم، حتى وصل الأمر بأحدهم إلى اعتبار أن العرب مجرد ظاهرة صوتية!)، ومع ذلك، لا يمكننا نسف المساهمات العظيمة، التي قدمها الفرس المسلمون للإسلام ولغته العربية وحضارته، بسبب موقف هنا أو هناك، ويكفينا أن نتذكر دور العالم النحوي سيبويه والأديب عبدالله بن المقفع في إثراء اللغة العربية، ودور الفقيه المعظم أبي حنيفة النعمان الكوفي في خدمة الإسلام.

أما العامل الخارجي الأجنبي، فكان دوره أعظم وأقوى في تمزيق الهوية العربية، فقد أدرك المستعمرون أهمية اللغة، كوسيلة للاتصال والاختراق الثقافي، ومن ثم السيطرة على عقول الشعوب المستعمَرة ووجدانها، فتكون جاهزة للتوجيه، فمن هنا نفهم استهداف اللغة العربية والإسلام، كهويتين متشابكتين تجمعان وحدة العرب والمسلمين في هذه البقعة الممتدة من المحيط إلى الخليج، وقد كان للاستعمار الفرنسي حصة الأسد في استهداف الهوية العربية عبر فرض فَرْنسة التعليم في بلاد المغرب العربي والتضييق على معلمي اللغة العربية، وتدشين حملات التبشير، وفي المغرب، تحديداً، عمل على ضرب الوحدة الوطنية بين المغاربة والبربر (الأمازيغ)، عبر فك الارتباط بين البربر والعروبة والإسلام بفرض اللغة الفرنسية عليهم من جهة، والعمل على تنصيرهم من جهة أخرى، ولقد نجحوا في المهمة الأولى، وفشلوا في الثانية، لأن ارتباط البربر بالإسلام كان أقوى من مخططهم (2).

وفي الجزائر، كذلك ساروا على الخُطى نفسها، فحاولوا طمس اللغة والهوية العربية للشعب الجزائري، وفرض اللغة الفرنسية، كلغة رسمية، تمهيداً لإلحاقهم بفرنسا، لكن يقظة الشعب الجزائري واعتزازه بأرضه وعروبته، فضلا عن الدور العظيم الذي قام به المصلح الديني الكبير عبدالحميد بن باديس في بعث الإسلام ولغة القرآن من جديد في نفوس الجزائريين، وإذكاء روح المقاومة والمواجهة ضد مشروعهم الاستعماري، فكانت الثورة الجزائرية المسلحة خير جواب للمحتل الفرنسي. وبالطبع، لا يمكننا أن نغفل دور المشروع الصهيوني رديف الاستعمار في احتلاله لفلسطين وتهويده لهويتها العربية.

إن تلك اللمحة التاريخية السريعة والموجزة تفسر لنا لماذا عمد الاحتلال الأميركي في العراق إلى شطب هويتة العربية؟ وقد أُثبت ذلك دستورياً، مع الأسف!

ولماذا تعامل مع العراقيين على أسس مذهبية وعرقية وأثنية، أي كشيعة وسُنة وأكراد وتركمان، مع أن العرب هم السواد الأعظم، ويشكلون نحو ٨٠ في المائة من مجموع السكان في العراق.

ويتكرر السيناريو المشبوه نفسه اليوم مع الأزمة السورية، والحديث في الإعلام «العربي» عن تقسيم الشعب السوري إلى دروز وعلويين وسُنة ومسيحيين وأكراد بات أكثر واقعية وقبولاً لدى المشاهد العربي! ولم يقتصر استهداف الهوية العربية على اللغة والدين والثقافة فقط، بل وصلت الهجمة للتراث والتاريخ والحضارة، وما سرقة المتاحف وهدم المعابد والكنائس القديمة إلا صورة أخرى من مخطط السيطرة والتفتيت، فالمطلوب اليوم أن نكون أمة ممزقة بلا هوية وتراث وتاريخ، فهل وصلت الرسالة؟

(1) انظر: الجابري، الهوية.. العولمة.. المصالح القومية، ص 18.
(2) انظر: السَّماك، الأقليات بين العروبة والإسلام، ص 57.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *