الرئيسية » قضايا وآراء » يوسف عباس شمساه : معارضة ومصالحة

يوسف عباس شمساه : معارضة ومصالحة

يوسف عباس شمساه
يوسف عباس شمساه

في محاولة لتغيير السائد من الأمور، سأحاول في مقالي اليوم التركيز قدر المستطاع على ما نعانيه، وما هو حله، لا ما نعانيه وكيف نضخمه.. فمن الطبيعي أن تقوم أي سلطة يتحرك شعبها لينال استحقاقات جديدة، مناضلا ومعتصما ومتقدما، في ظل تراخي وتخاذل التيارات والنخب، بصد ذلك التحرك، من خلال تشتيته، وجعل أولوياته ثانويات، وصناعة أولويات جديدة، مثل إطلاق سراح المعتقلين، أو إصدار عفو عمن صدرت في حقهم «أحكام نوايا»، كما تقول منظمة هيومن رايتس ووتش، أو سجناء رأي، كما سمّتهم وكالات الأنباء العالمية.. نعم يا سيدي، لم نذهب للعالم عبر وكالاته بإنجازاتنا أو باختراعاتنا، بل ذهبنا لهم بمعتقلاتنا وبضعة دولارات، لنخرس تلك الوكالات عن التدخل في شؤوننا.

ثم نعود للسلطة، تلك المهيمنة على ثرواتنا ومؤسساتنا، والتي تمتلك جميع أدوات اللعبة، وانحرفت بالمعارضة من مطلب حكومتها المنتخبة إلى مطلب الدوائر الانتخابية، وأكل لحم بعضهم بعضا، وتخوين كل طرف للأطراف الباقية، واستغلال التناقضات التي يبديها الساسة للنيل ممن يقف خلفهم من الجماهير، وإضعاف تأثيرها على مَن دعمها منذ حملة «ارحل»، وحتى «كرامة وطن» الثانية، كاصطفاف شعبي وجماهيري.

وجميع ما تم ذكره لا يعبّر عن مكنون المعاناة الحقيقية بين سطور كتاب المعارضة، فالأمر لم يكن أبدا متعلقا فقط بسلطة لا ترى أي ضرر ولا ضرار باستخدام أدواتها القمعية بحق شعب جريمته أنه طالب بحقوقه، بل هي بالدرجة الأولى معنية بحال المعارضة نفسها، التي تعد سببا في حدوث هذه الانتكاسات كلها.

فمن يفهم في قانون الشعوب، يعلم أن الشعب المسالم يمثل القوة الحقة التي لا تصد ولا ترد في أي وطن، وهذه القوة لا تأتي إلا عن طريق تلاحم وتكاتف الفصائل والأفكار والتوجهات المختلفة، لتحقيق المطالب والأماني، بعكس معارضتنا المتفككة، المتنافرة في ما بينها، والتي استولت عليها لذة الانتصار، بعد «ارحل»، فبدأت بتراشق الألقاب والبطولات على كبار المعارضة، حتى ظهرت حالة من التمجيد والترميز والتعظيم لم نشهدها من قبل، كذلك اندفاعها نحو قضايا قد تكون مستحقة، لكن يسقط استحقاقها، بسبب غطاء الفزعة، حيث أصبحت تقرأ اسم المتضرر ومذهبه وتوجهه قبل قضيته، فضلا عن أنها لم تستطع استكمال سلسلة اجتماعاتها مع بعضها حول طاولة حوار واحدة، وتريد اكتمال المشهد السياسي بنجاح.

أما عن آخر صيحات السياسة، فموضوع مصالحة السلطة، الذي أرى فيه الاستسلام والخنوع والتسليم لها بعد نضال هذا الشعب وسكونه للسجون، فهي خطوة، إن أقدمت المعارضة عليها في هذا الوقت تحديدا، فلن يكون لها دور غير اعتماد البنود والشروط التي ستلقنها لها السلطة.

لذلك، حري بها الآن -أي المعارضة- أن تجتمع مع بعضها، تاركة خلافاتها الثانوية و«مصالح بعضها الشخصية»، مكثفة جهودها، للخروج بمشروع شامل وكامل، يعيد للدستور قيمته وبريقه، يتمسك بحق الشعب باستخدام أدواته الديمقراطية السلمية، يشدد على إطلاق سراح جميع معتقلي الرأي، ينادي بضرورة أن يكون للشعب كلمته في كل أمر يخص وطنه، يرسم مخططا انتخابيا جديدا يهيئ للشعب مرحلة إشهار الأحزاب والحكومة المنتخبة، وبعد الانتهاء من هذا كله، تبدأ المعارضة بمرحلة «المفاوضة»، إن صحَّت التسمية مع السلطة، لوضع النقاط على الحروف، وانتشال البلد من حالة التوتر وعدم الركود، إلى مرحلة الاستقرار في شتى مجالاته.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *