الرئيسية » آخر الأخبار » لأن أوضاع الحريات العامة لا تسر: في «الكاميرات» ما يبرر التوجس.. وفي «الإلكترونية» ما يُثير الرعب

لأن أوضاع الحريات العامة لا تسر: في «الكاميرات» ما يبرر التوجس.. وفي «الإلكترونية» ما يُثير الرعب

إجراء متبع في معظم دول العالم.. ولكن!
إجراء متبع في معظم دول العالم.. ولكن!

محمد الغربللي:
لماذا الخوف والتوجس من القانونين اللذين تم إقرارهما الأسبوع الماضي، وهما قانون فرض تركيب كاميرات في جميع المواقع العامة والخاصة، تقريبا، وقانون الجرائم الإلكترونية؟

وضع الكاميرات التي تسجل وتحفظ المشاهد حتى أمد يفوق 24 ساعة أو أكثر، إجراء معمول به في أغلب المدن الأوروبية في الأماكن العامة أو محال المجوهرات أو غيرها من الأماكن المعرضة للسطو، أو التي تكثر فيها الجرائم والاعتداءات، وعادة ما يتم الرجوع إلى ما سجلته كاميرات المواقع تلك، للاستدلال على أي جريمة قد ارتكبت، والوصول إلى الجناة.. وهناك في بعض المدن أو البلدان ما يشبه الإجبار على تركيب مثل تلك الكاميرات، بما في ذلك المجمعات السكنية، حالها كحال أنظمة مكافحة الحريق، وكلنا يتذكر ما سجلته كاميرا المراقبة بشأن السيدة المنقبة في أبوظبي، التي دخلت إلى أحد المجمعات، وارتكبت جريمة قتل أودت بحياة ضحية أميركية، وهناك عدة تسجيلات أخرى يمكن مشاهدتها في موقع «يوتيوب» تكشف عن وقائع اغتصاب أو سرقة، وغيرها من الأفعال الإجرامية.. الفرق بيننا وبين هذه الدول الغربية، التي عملت منذ عقود بنظام المراقبة التصويرية، هي أنها تحترم حقوق الإنسان، ولا يوجد لديها قدر كبير من الانتهاكات لحقوقه أو خصوصيته أو حريته الشخصية.. الجميع سواسية أمام القانون، حتى رئيس جمهورية سابق قد يُقاد إلى التحقيق، وقد يمثل أمام القضاء، كما تم بشأن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أو رئيس الوزراء البريطاني برلسكوني أو أي شخصية نافذة قد تحوم حولها الشبهات.. لا يوجد هناك «هذا من ربعنا أو جماعتنا» أو متنفذ يتجمَّد القانون عنده، أو سارق تحوم حوله الشبهات والقرائن، لكنه يولي الأدبار، هارباً خارج البلاد، بما كسبت يداه الملوثتان بالسرقات.. الجميع سواسية هناك في الأحوال الدائمة والطبيعية.. هذا لا يعني أنها مجتمعات ملائكية، لكن الشكل السائد والمتعارف عليه فيها هو هكذا، لا فرق في العرق أو اللون أو الدين.. المواطنة هي مظلة الجميع، ولا يوجد سويدي بالتأسيس وآخر بالتجنيس، فما دام مواطنا، فإنه يستطيع الوصول إلى كرسي الوزارة، مثل وزيرة التربية الفرنسية نجاة بلقاسم، التي وصلت مهاجرة بصحبة أهلها من المغرب وعمرها خمس سنوات، وتولت هذا المنصب المهم، رغم أنها ليست فرنسية المولد.

صالح عاشور
صالح عاشور

أوضاع الحريات العامة

لا داعي للإطالة، وليقدنا الحديث مباشرة إلى مرساة الخوف والتوجس بشأن إقرار قانون الكاميرات الأسبوع الماضي.. بداية، لابد من القول إن التضييق على الحريات العامة على أشده، والتعدي على الحريات الشخصية على أشدها، فكم من مرة تطالعنا الصحافة اليومية بأخبار عن مداهمات ما يُسمى بالأماكن المشبوهة؛ من شقق خاصة أو شاليهات، حيث تُقام حفلات خاصة لأصحابها؟

كلنا يتذكر مداهمة فيلا بمنطقة الجابرية كانت تقام فيها حفلة عيد ميلاد، واعتُقد أنها لأفراد من عبدة الشيطان، كما ورد بالخبر الصحافي.. لا نتحدث هنا عن هامش الحريات السياسية الذي تقلص وانكمش في السنوات الأخيرة، بحيث يُحاكم الناس بالشبهة أو بالنية، وليس بموجب أفعال إجرامية!

أوضاع الحريات العامة لا تسر، ليس مقارنة بدول متقدمة، بل بما كان سائداً منذ عقود في الكويت، بين ما كنا وما أصبحنا عليه، روح الاستعلاء والتكبر والمباهاة باتت سائدة فيمن يتولى رأس الجهاز الأمني.. فبعد حديثه يضرب ميكرفون التحدث في المجلس، كما صورته كاميرات النقل التلفزيوني.. حركة تدل على الاستكبار والتعالي، لا أكثر، مشاهد لم نكن نراها سابقاً، أصبحت من المظاهر الموجودة للتباهي.. هذه المسيرة مستمرة بسرعات متزايدة، من دون كوابح أو إشارات للتوقف.

سابقاً، ومع كل أوضاع ضعف مجلس الأمة، إلا أنه كان هناك قدر من الكوابح على مستوى المجلس أو المجتمع.. اليوم أصبح مجلس مسحوق «الربلات»، لا يستطيع إيقاف أي تجاوز ما دامت «السّنة الحميدة» جاهزة.. ومن هذا الوضع يأتي الخوف والخشية في خواطر ونفوس المواطنين.

قانون الجرائم الإلكترونية

أما القانون الآخر الذي يُسمى بالجرائم الإلكترونية، فقد تحدَّث بعض النواب عنه، بداية النائب صالح عاشور، بتوجيه النصيحة للمغردين، بأن تكون تغريداتهم على غرار إيحاءات قصة التراث العربي «كليلة ودمنة»، حتى ينأوا بأنفسهم عن أي ملاحقة قانونية لهذا القانون.. عاشور هو عضو في اللجنة التشريعية، غادرها بعد أن رفض عددا من موادها، وهذه حال النائب راكان النصف، أيضاً، وهو عضو في اللجنة التشريعية، وموقف عدنان عبدالصمد بموجب تصريحاته.. العجيب أنه عند إقرار القانون لم تشر الصحافة اليومية إلى مَن وافق على القانون من النواب ومَن اعترض عليه، كما جرت العادة.

تمَّت في النهاية، الموافقة على القانون، كما جاءت به الحكومة، بغض النظر عن اعتراضات عدد من النواب ونصيحة عاشور، وقد كانت بالحقيقة نوعا من تبرئة النفس، لا أكثر، وليس موقفاً فاعلاً للاعتراض الجماعي على القانون.

في أزمنة سابقة كان هناك تفاعل مجتمعي بشأن القوانين المطروحة للنقاش في مجلس الأمة، تفاعل في جمعيات وهيئات النفع العام، كالخريجين والمحامين وجمعية الاقتصاديين، ليس منذ سنوات، بل منذ عقود، ويتذكر جيل السبعينات حجم التفاعل الكبير بشأن موضوع المشاركة النفطية على مستوى بعض جمعيات النفع العام، وحتى التلفزيون الرسمي الحكومي شارك في هذا التفاعل بالندوة التي عُقدت بين وزير النفط، آنذاك، عبدالرحمن العتيقي، والنائب الأسبق الأخ عبدالله النيباري.

الوضع الآن مختلف تماماً، إذ تتم مناقشة القوانين وإقرارها بنوع من التكتم، كالمسدس الكاتم للصوت، من دون إطلالة جماهيرية من النواب المعارضين لتنشيط الرأي العام وحشده ضد هذا القانون أو بعض مواده، التي بموجبها يمكن فرد مساحة أكبر لملاحقة المغردين – وهم كثر- وسيكونون تحت طائلته، في حال «إفشاء» أي معلومات، أو نشر قرار حكومي ما فيه تجاوزات أو حالات تنفيع وغيرها، حيث ستتحرك أسنان القانون الذي تم إقراره نحوهم، كي يكونوا عبرة لغيرهم، بعد معاقبتهم بدفع غرامات مالية لا يستطيعون تحملها، كما جاء في بعض مواد قانون الصحافة الذي أقر عام 2006.. الفرق هنا في اتساع رقعة العاملين في الصحافة والمغردين، ما سيؤدي إلى تكاثر الدعاوى القضائية فوق زيادتها في السنوات الأخيرة.

في الأسبوع الماضي، اختتم د.أحمد الخطيب مقالته بجملة «حسافة عليك يا كويت».. هي في الحقيقة «حسافات بالجملة» على حالة التردي والانحدار اللذين نعيشهما في وطن لا يستحق مثل تلك الممارسات أو القوانين.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *