الرئيسية » آخر الأخبار » في كتابين جديدين لإسماعيل مظهر ومنى أبوسنة: حقوق المرأة وعقلها.. إعادة الجدل في المظاهر والحقائق

في كتابين جديدين لإسماعيل مظهر ومنى أبوسنة: حقوق المرأة وعقلها.. إعادة الجدل في المظاهر والحقائق

المرأة في عصر الديمقراطيةكتب محمد جاد:
يبدو أن مشكلات المرأة الراهنة لم تزل كما كانت منذ عقود، رغم مظاهر التطور الاجتماعي، كالتعليم والخروج إلى العمل وتولي بعض المناصب في الدولة، كحالة تجميلية لوجهها المشوه.. كتابان صدرا أخيرا عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، يكشفان هذه المأساة، حيث يتناولان وضع المرأة، مقارنة بالغرب، وأوجه نضال كل منهما لترسيخ حقوقها في المجتمع.

الكتاب الأول، هو إعادة طبع لكتاب «المرأة في عصر الديمقراطية» لإسماعيل مظهر، ويعود تاريخ طبعته الأولى إلى عام 1949، بينما الكتاب الآخر جاء بعنوان «نقد عقل المرأة» لمنى أبوسنة، طبعة هذا العام. اللافت أن ما حاول مظهر في كتابه التطرق إليه من مشكلات، هو نفسه، وإن كان بشكل مُغاير لما حاولت أبوسنة أن تعرضه، رغم كل هذه السنوات والمشكلة يتم علاج ظواهرها فقط، من دون أن يصل الأمر إلى وعي اجتماعي بقيمة المرأة ودورها وتفعيل هذا الدور في الواقع.

عصر التنوير الأوروبي

يلفت إسماعيل مظهر إلى وضع المرأة في أدبيات ذلك العصر، من خلال كتابات جان جاك روسو، وخاصة عقده الاجتماعي، فيشير إلى أن رسو حافظ على وضع المرأة في مرتبة أدنى من وضع الرجل، فمنع حقها في الانتخاب، وقيَّد حريتها الدينية، إذ يقول: «خلقت المرأة لتكون ملهاة للرجل.. ينبغي أن يكون تعليمهن متصلاً بحاجات نقد عقل المرأةالرجل.. ومن أجل هذه الواجبات يجب أن تتعلم المرأة».

من ناحية أخرى، يعقد مظهر مقارنة بين هذه النظرة ووضع المرأة في مصر القديمة، وكيف كانت «ملكة تربعت على العرش، وزوجة قُدست إرادتها واحتُرمت أمومتها. بل كان لها في السياسة ضلع كبير إذا كانت من الطبقة العليا. وكانت حرة شاركت الرجل في البيت والحقل».

المقدس ودوره

ويأتي العرب.. ورغم أن الشريعة أتاحت لها نفحة من الحرية، لن تصل إلى حريتها في مصر الفرعونية، فإن الموروث العربي حدَّ منها أكثر مما أتاحته الشريعة، وهذا الموروث للأسف هو ما يتحكم في الأمر حتى اليوم. فسلم لها الرجل بكل ما نصَّت عليه الشريعة من الحقوق المادية، من دون المعنوية.. «فأسرها في البيت، وحرمها من التعليم، وتزوج بأربع، واتخذها تسلية وقت الفراغ»، الحديث هنا عن القطاع العريض من النساء، من دون بعض الفئات المترفة والمتعلمة في المجتمع، ويُشير الرجل، ومعه الحق، إلى مسألة الزواج من عدة نساء، فيقول «فالإقلاع عن هذه العادة في وقتنا الحاضر ضرورة اقتصادية، فلم يكن اختفاء هذه الظاهرة راجعاً إلى استعلاء في التصور أو رقي في الفكر، أو استنارة في العقل أو رقة في العاطفة».

كما يُناقش مظهر بعض الآيات التي تم تفسيرها لصالح وضع اجتماعي وسلطوي يريد الرجل الحفاظ عليه، كأن يقرن في البيوت، فالأمر بعيد عن فكرة سجن المرأة، وكأنها مخلوق يجب حجبه واتقاء مفاسده. بل إن يكون للبيت المقام الأول والمكانة العليا في حياتها، نظراً لدورها «الخطير» في المجتمع، لا عن قصور في عقل أو دين، كما يروّج الرجعيون وأصحاب الفتاوى الفاسدة، لترسيخ وضع اجتماعي وسُلطة فاسدة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن المرأة توصلت لكونها نصف إنسان في الإسلام. فما أعطاه لها من حقوق هو أقصى ما يمكنه خلال زمنه وبيئته التي نشأ فيها، ويجب عدم الوقوف عند هذا الحد، وأنه يجب الأخذ بالمبادئ لا بالنصوص، وما الموقف اليوم ــ عام 1949 ــ إلا موقف أوروبا في القرن التاسع عشر. ونختم بفقرة في غاية الأهمية كتبها الرجل منذ ذلك التاريخ، لكنها لم تزل مُسلطة على الرقاب حتى يومنا هذا «عمد زعماء الدين إلى أشياء اتخذوا منها وسيلة لإقرار سلطانهم، لا سلطان الدين، كقولهم بالتكفير والمروق والردة، إذ ما بدا في الأفق من أثر التطور الفكري ما يمس ذلك السلطان، الذين يحاولون الاحتفاظ به».

عقل المرأة ونقده

تقدم منى أبوسنة كتابها، من خلال موقف مغلوط اتخذته الحركات النسائية من عصر التنوير بشأن قضية المرأة، فتحرير العقل يرتبط بتحرير عقل كل من الرجل والمرأة، إلا أن النظام البطريركي خلق نسقاً من القيم لا تسمح لعقلية المرأة، إلا أن تكون عقلية «مطبخية»، ومن ثم كان على حركات تحرير المرأة الانشغال بنقد عقل المرأة، بهدف تحريرها، لكنها لم تفعل!

العقلية المطبخية والحل الأسطوري

تشير الدلائل إلى أن المرأة هي التي اكتشفت الزراعة، وتأسست سلطتها من خلالها، وصارت المرحلة الأمومية والآلهة الأنثى، حتى تحول الأمر إلى الرجل، وأعاد صياغة الأنساق والمفاهيم الاجتماعية، وبالتالي السُلطة على شاكلته، ومع هذا الانقلاب الحضاري اختلفت وتحددت المفاهيم.. ففضيلة الرجل في قواه الجنسية والمرأة فضيلتها في كبتها، والعقل والمنطق من شأن الرجل، والعاطفة والانفعال من شأن المرأة، والعمل خارج الأسرة للرجل، والمرأة ينحصر دورها في الشأن المطبخي، وبذلك تكون عقليتها المزاجية هي سمتها الأولى، فيقف تفسيرها لحدوث الأشياء عند حد المزاج، وإذا تعذر، فالأسطورة جاهزة كبديل للتفسير. ربما تتحدث المؤلفة عن عقل المرأة العام، وكيف تم اختزاله في هذا الشكل، إلا أنه في عالمنا العربي، يبدو العقل الجمعي، رجالا ونساء، عقلا مزاجيا، أو مطبخيا، كما تحب المؤلفة أن تسميه، فالعرب مولعون بتفسير الظواهر، وفق النسق الأسطوري، وهو عقل أولي تجاوزته الحضارة بآلاف السنين.

وهم الذات والموضوع

تشير المؤلفة إلى أن القسمة التاريخية بين المذكر والمؤنث أفرزت ما يُسمى المقابلة بين الذات/مذكر والموضوع/مؤنث، وهي قسمة مفتعلة، لترسيخ سلطة ذكورية، ليس أكثر، وقد انعكست هذه القسمة على تحديد هوية كل منهما، ولا أدلّ على ذلك من اللغة، من حيث التذكير والتأنيث، ومن منطلق السلطة الأبوية/البطريركية أصبح كل ما هو ذكوري إنسانياً، بينما تم استبعاد المرأة من الدائرة، وتحولت إلى موضوع مسلوب الإنسانية لصالح ذات الرجل.

الطهطاوي وقاسم أمين

وتتعرَّض المؤلفة في ذلك إلى رواد التنوير، أمثال: رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين، فترى أن الطهطاوي انطلق من الأصالة من دون الأخذ بمبدأ المعاصرة وتحرير العقل، فالمساواة من وجهة نظره كانت بين الوضيع والرفيع، لا بين الرجل والمرأة، فدعا إلى حجاب المرأة، والعمل الذي يقتضي نزعه محرّم عليها، فالطهطاوي لم يتمثل جوهر تحرير المرأة على نحو ما هو وارد في الفكر الليبرالي، الذي انطلق من حق المساواة على أساس وحدة العقل الإنساني، وبذلك يكون أخذ الشكل فقط من دون المضمون، في ما يختص بقضية الحرية على الإطلاق، والمرأة بوجه خاص.

أما قاسم أمين، فربط بين انحطاط المرأة والأمة، ولم يخرج بالمرأة إلى أبعد مما خطّه ورسمه الدين لها، فلا عمل لها إلا عند ضرورة، وحتى عندما نادى بتعليمها، فلم يكن هذا سوى بهدف إتقان دورها، كزوجة وأم.. أما كيف تصل المرأة إلى وضعها هذا في ظل الدين الإسلامي، وهو سؤال قاسم أمين، الذي يلحقه بالإجابة، ويرد السبب إلى الأعراف والتقاليد البالية الموروثة، التي انتشر بها الإسلام.

فالحاكم يستبد بالمحكوم، والرجل يستبد بالمرأة، فتقدم المرأة مرهون بالتمسك بأحكام الشريعة، ووضعها الحالي أساسه الحكومات البعيدة عن الإسلام، الأسباب لا دينية إذن، بل علمانية خاصة بنظام الحكم القائم وقتها، مع ملاحظة أن الدعوة لتحرير المرأة هي في أصلها دعوة علمانية!

أياً كان الأمر، وبعيداً عن تنظيرات واستعراض آراء فلسفية، فإن الفقر والجهل هما سببا الكوارث، سواء بالنسبة للرجل أو المرأة، والحديث هنا خاص بالمجتمعات المتصفة بمصطلح العروبة، فالأمر مرهون بأنظمة سياسية تعمل جاهدة على إفقار وتجهيل شعوبها، فلا يصبح من مفر أمام هذه الشعوب إلا اللجوء إلى أفكار وممارسات متعصبة، تزهق الأرواح، كرد فعل، أو لا تمتلك الثقة في نفسها أولاً، وبالتالي تتسلط على المرأة وتشكك في أفعالها وتؤول لفتاتها على أنها كائن إلى الشيطان أقرب، بينما الشيطان الحقيقي يتمثل بسلطة سياسية لا يهمها سوى البقاء الأبدي كما تتوهم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *