الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : الديمقراطية.. ليست بالشعارات والإكراه!

ناصر العطار : الديمقراطية.. ليست بالشعارات والإكراه!

ناصر العطار
ناصر العطار

ربما يكون من المفيد أن أكتب باختصار اليوم عن تفاصيل الأمس، التي تم ذكرها أكثر من مرة.. ولعل تلك التفاصيل تساعد على تنبيه بعض الكرام ممن ظنوا اليوم أن الأوطان لا تحتمل تعدد الآراء، وأن الأهداف الطيبة قد تتحق بمجرد رفع الشعارات البراقة أو بالفرض والإكراه.

في عام 1963 زار القاهرة وفد عربي لمقابلة جمال عبدالناصر، ومناقشته حول قيام وحدة ثلاثية تجمع العراق وسوريا ومصر، وقد أثار الوفد العراقي قضية ضم الكويت إلى العراق للمرة الثانية، بعد المرة الأولى، حين استقلت الكويت عام 61، وعرض حججه بالخرائط، فجاء رفض مصر أيضا للمرة الثانية بناءً على ثلاثة أسباب، حيث قال عبدالناصر حينها: «إن أنظمة الخليج بطبيعتها الوراثية لديها شكوك في النظام العربي، وتظن أنه سيقلب أشكال الحكم في أوطان الخليج، ونحن نريد إزالة هذه المخاوف منها، لكنكم بمطالباتكم هذه ترسخون خوف وتشكك أنظمة الخليج.. أما ثاني الأسباب، فإن عليكم الإدراك أن أي محاولة للاقتراب من الكويت تعني الاقتراب من البترول، وبالتالي سيجد النظام العربي نفسه أمام القوى العظمى في معركة أكبر من إمكاناته، لأن بريطانيا الآخذة شمسها بالأفول، وأميركا القوى الصاعدة في العالم، لن تسمحا على المدى المنظور لأحد بالاستحواذ على منابع البترول أو حتى الاقتراب منها.. أما ثالث الأسباب، فإن الوحدة إذا قامت بالإكراه والفرض وبالضم من دون رضا الشعوب، فإنها لن تصمد، وستنحرف عن معناها.. اتركوا للناس حرية التفاعل والاختيار».

ولن أركز إلا على ما قاله عبدالناصر في السبب الثالث، الذي جعل مصر ترفض مطالب العراق في ذلك الوقت، فحرية التفاعل والاختيار، كما هو واضح في التجارب الإنسانية، هي أساس تقدم الأوطان، «الكويت دولة ديمقراطية، وأعرق ديمقراطية في المنطقة، شاء من شاء وأبى من أبى».. هكذا رد رئيس مجلس الأمة على أحد النواب، بعد أن قطع عنه الميكرفون، حين قال النائب إن الكويت ليست ديمقراطية، مع تقديري لرئيس مجلس الأمة، ومن أيَّد رأيه، أسأل: هل من الديمقراطية قطع الميكرفون عن ممثل الشعب، ومنعه من التعبير عن رأيه، أيا كان رأيه؟! هل من الديمقراطية المضي في العمل بقانون غير دستوري ومكلف ماديا ومضر علميا وعمليا، كقانون منع التعليم المشترك، برغم اعتراف المسؤولين والمختصين بأضراره؟! هل من الديمقراطية تغييب الرأي العام عن معرفة أسباب تأخر افتتاح استاد جابر وعدم محاسبة المسؤولين عن هدر ملايين الدنانير تحت صرفه؟! هل من الديمقراطية ترك قطاع النفط تتلاعب به المحسوبية والمنافع الشخصية من أعلى المسؤولين عنه!؟ هل من الديمقراطية زج الكثيرين في السجون بقضايا الرأي ومعاملتهم بأساليب مهينة؟ هل من الديمقراطية عدم تنفيذ الحكومة لأحكام قضائية أنصفت أكثر من مسؤول لجأ إلى القضاء، لإنصافه من جور القرارات الوزارية؟! هل من الديمقراطية التخلي عن مسؤولين قاموا بواجبهم ونفذوا القانون كوكيل وزارة الشؤون؟! هل من الديمقراطية ظلم المواطنة الكويتية المتزوجة من غير كويتي ورفض مساواة حقوقها بحقوق المواطن؟! هل من الديمقراطية منع أبناء البدون من التعليم وطردهم من بعض الوظائف؟! هل من الديمقراطية الموافقة على قوانين تعتبر حرية التعبير جريمة، كقانون الجرائم الإلكترونية، بحجة المحافظة على أمن الكويت، وهي ذريعة مملة تتردد في الدول التي تفتقد لمشروع وطني جامع وتغيب فيها ثقة شعوبها في حكوماتها؟! هل من الديمقراطية إهانة الوافدين وتحميلهم أسباب تردي أوضاع البلد من دون النظر إلى تجار الإقامات ومصاصي دماء المغلوبين الباحثين عن لقمة العيش؟! هل من الديمقراطية أن يصحو البلد على طائفية وينام على قبلية، وما بينهما من عنصرية وكراهية!؟ هل من الديمقراطية ألا تقوم حكومة البلد بدراسة الدواعي الحقيقية لظواهر لافتة، كالعنف والتطرف والطلاق والأمراض الخطرة المتزايدة، والهروب الجماعي من الوطن في كل عطلة؟! هل من الديمقراطية أن تشمت وسيلة إعلامية بإغلاق وسيلة إعلامية زميلة لها، ما يدل على أننا في بلد تفتك به الصراعات الشخصانية؟.. هل من الممكن أن تقع هذه الشماتة في بلد يقول عن نفسه إنه ديمقراطي؟! هل هناك أسئلة أخرى أكثر مما ذكرت؟! بكل تأكيد، هناك المزيد، لكننا لا نزال محكومين بالأمل، على حد تعبير المحامي بسام العسعوسي، ويبقى السؤال الأهم من كل ما فات من أسئلة: هل من الممكن إحلال الديمقراطية بمجرد رفع الشعارات وترديد عبارة شاء من شاء وأبى من أبى؟!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *