الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : الطاغية

حبيب السنافي : الطاغية

حبيب السنافي
حبيب السنافي

يتهم البعض الشعوب الشرقية، ومنها شعوبنا العربية، بخضوعها لقوانين الطغيان، وانقيادها لكل طاغية أطلَّ برأسه من وسطها، مستشهدين بالتاريخ ومآسيه، مستحضرين حالنا العربية، التي مازالت ترزح تحت سطوة الطغاة وحكمهم.

حالنا تنفرد بوجود العديد من أشكال الطغيان، والتخلص منها، كمحاولة من انغرس في رمال متحركة حتى حيازيمه.

فنحن نعاني طغيان رب الأسرة، وطغيان الزوج وحتى الزوجة، بعد استقوائها بالقوانين الحديثة، وطغيان المديرين، تدرجاً إلى الوزراء، خصوصاً مَن يمثلون نظام الحزب الواحد أو الطوائف أو شيوخ القبائل الحاكمة.. المعنى واحد، فالفرد أو الجماعة أو الحزب أو القبيلة، إن انفردت بالقرار وألغت الطرف الآخر وتعسفت، فهي طاغية.

استهلال الطغيان وانطلاقة استبداد الحكم والأحكام له شواهد- أغلب الأفراد يجهلونه ولأسباب عديدة – منها تصدر شخصية كاريزمية منفردة بالحكم، من حيث إصدار القوانين الداعمة والراسية لنهج حكمها، أو إلغاء القوانين السابقة الضامنة للحرية والعدالة، كما تتشكل معالم نظام لا يشارك فيه أفراد الشعب، إلا بالاحتفال بذكرى تتويج القائد / الطاغية، والنداء بفدائه، بالروح والدم، يرادف ذلك، التفاف متملقين من الساسة والإعلاميين والاقتصاديين حول هذا الطاغية، وازعهم رفعة شأنه وإجلال هيبته وصولته.

يسعى الطاغية، جاهداً، لنيل التأييد الشعبي لدستوره المشوه، والرضا بقوانينه المطاطية الصائنة للفاسدين من المساءلة، وإباحة استخدام الأموال العامة لشراء الذمم والمواقف، وعدم تجريم أساليب الإرهاب والترويع، التي هي من الأسلحة المثلى لدى الطغاة لتذليل النفوس ووأد الهمم.

عندما تتصدر أخبار القائد وصورته المشهد اليومي لقطاعات المجتمع، وتملأ خطبه الحماسية الصاخبة أسماع الناس، بوعيدها لدحر الأعداء- الوهميين- لا لمكافحة الفقر والجهل والتخلف وإقرار العدالة الاجتماعية والحرية، حينها على الشعب إدراك أن قائده قد تحول إلى طاغية بامتياز.

الطواغيت، أينما حلوا، لم يستندوا مثل استنادهم إلى دعم وجهود وخطايا الكهنوت/ طبقة رجال الدين في وصولهم واستبدادهم بالسلطة، بينما الشعوب الغافلة تطاوعهم، جاهلةً أن نظام الحكم وأساليبه من مختارات البشرية / المجتمعات، ولا علاقة لها بالمطلق، لأنها متبدلة وتتطوَّر بموازاة الثقافة ومستوى وعي المجتمع.

وإذا كان البعض يقارن ويفضّل حكم الطاغوت على حكم الغوغاء، فتلك مقارنة ظالمة، فالغوغاء ستتلاشى، حالما تتسلم منظمات وجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني – الملغية أو المهمشة- دورها لترجمة وتحقيق الأفكار والمطالب الجماعية بشكل عام.

بالمحصلة، إن أي شعب كان في يوم ما تحت نير صنف من أصناف الطواغيت الملكية أو الدينية أو الحزبية والقبلية، سوف ينتفض، لأن أحوال الحاضر تبدلت، والشعوب وعت وهبَّت من رقادها، ونال العديد منها حريته واسترد كرامته، إلا شعوبنا العربية، فهي مازالت لم تعِ بعد معاني ومفاهيم الطغيان، وكأن العيش تحت عذاب الطغاة قدرها المحتوم، فمتى تقرر مصيرها؟ متى؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *