الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : القربان

حبيب السنافي : القربان

حبيب السنافي
حبيب السنافي

بأي نظرية نفسر ظاهرة الانتحاريين والمفخخين أجسامهم والمدمرين لذواتهم، تفجيراً بالمحاربين لهم والمدنيين، على حدٍ سواء، والذين تكاثروا بنحو لافت في العراق والشام، تحت مظلة المتشددين من «داعش» و«القاعدة»، الذين قدموا أنفسهم مرة، وضحاياهم حيناً آخر، قرابين لمفاهيمهم الدينية المؤسطرة؟

طقس القربان لا يقتصر على الميثولوجيا الإسلامية، فهو ممتد لأزمنة سحيقة في الحضارات القديمة، التي احتوت على معطيات دينية تؤمن الاستقرار النفسي والنزوع الروحي لحالات اغتراب شعوبها.. ولأن الرعب والهلع من الطبيعة، لم يكن ليسكن إلا بالجنوح النفسي والفكري لإرضائها، عن طريق التقرب والتزلف بالغالي والنفيس، مرةً بنحر الدواب، قرباناً على دكة المعبد، ومرة بتقديم النذور والقرابين (البشرية)، ذبحاً للصنم المعبود.

حتى الآن، لا يمكننا تحديد متى ولدت أسطورة القربان، لكن من مهّد لطقسها الديني لابد أن يكون سيداً دكتاتورياً، أو قائداً عسكرياً متعجرفاً، أو منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل، ومشابهة ذلك الحدث لما ورد في ملحمة جلجامش الرافدية – نسبة لأرض الرافدين – ليتحول الضحية (هابيل)، كما تحول بعده بقرون السيد المسيح إلى رمز خالد للتضحية والعطاء اللامتناهي، واصطفاء الآلهة له، لنقائه وطهارته، قرباناً لإراحة الأنفس المتمردة، وتطهير الوجود من الأشرار والبغاة.

أسطورة القربان الإلهي لا يمكننا مقاربتها وإدراك كنهها ومغزاها من دون دراسة الميثولوجيا الدينية للشعوب البدائية، وتأثيرها الخيالي وتضحياتها على مرّ العصور، وأثر ذلك على المسايرة الزمانية للأسطورة والارتباط الديني، تبجيلاً وتقديساً.

عقيدة الفداء نفسها استمدت من طقس القربان الإلهي متعدد الصور، وفق المكان والزمان وطبيعة الحياة الاجتماعية.. نعم، هناك فارق بين الفداء والقربان، فالفداء مَن يدفع ذاته، ثمناً لمطلب اسمى عنده من روحه، بينما القربان، الذي نحن بصدده، فهو إيهام وخداع، وأحياناً جبر وقسر على الآخرين، لتقديم حياتهم رخيصة لعقيدة أو قضية هي في حقيقتها ليست بمطلب إلهي، ولا تستحق ثوابا أخرويا تجزى عليه، ولكنه استغلال لسمات الأحمق والأبله والسذج عند غالبية البشر، من قِبل المتألهين والمتآمرين على أموال وأرواح ضعاف الخلق مسلوبي الإرادة، بعد مسخ عقولهم بعقيدة الفداء والقربان الإلهي.

الفدائي تجده في الحروب ضد الأعداء المحاربين، يفدي بنفسه، ليقدم الحياة عزيزة وكريمة لغيره، بينما القربان البشري يقدم جسده مفخخا رخيصا لعمل دنيء وشنيع ضد الأبرياء العزل المدنيين، يقتحم عليهم أسواقهم وتجمعاتهم ومساجدهم، وأينما سنحت له الفرصة، ليقوض المكان، ويستأصل الأرواح من الأجساد المنهكة، فقراً وقهراً، لينعم «جنابه» بنعيم الآخرة مع الصالحين والأبرار.

عملياً، يقدم القربان «الداعشي» نفسه أضحية لله، فهو يؤمن بأن إخلاصه وتدينه مرتبطان بقبوله قرباناً، وأن الله اختصه قرباناً، لنصرته وتأييد دعوته.

وكما أسلفنا في المقدمة، فقد تطوَّر مفهوم القربان البشري، ليشمل الضحية ذاتها، حيث دأبت عصابة «داعش» على تعذيب ضحاياها، ثم تقديمها قرباناً للإله بنحرها، وتقطيع رؤوسها، أو رجمها حتى الموت، وإسقاطها من علٍ تارة أخرى، ليرضى الإله عن كفرها وعنادها، لتتحوَّل بعد ذلك من رجس إلى طُهر، لقبول ورضا الضحايا إقامة الحدود عليهم.

في زماننا هذا ردة طقسية، فأسطورة القربان الإلهي ابتدأت بالأرقاء والعبيد، واستبدلت بالقربان الحيواني، والآن نرى النكوص بالطقوس، لتعود كما بدأت، وتتناسب مع الردة الفكرية للدعوة، وتحولها لهمجية تاريخية.
كانت أسطورة وتموهت كحقيقة، تكتم الأنفاس النقية، وتؤكد وحشيتنا الراهنة، بلا منازع.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *