الرئيسية » آخر الأخبار » في أمسية بالمكتب الثقافي المصري بالكويت: «فئران أمي حصة» لسعود السنعوسي.. استشراف المستقبل ورسالة تحذير للمجتمع

في أمسية بالمكتب الثقافي المصري بالكويت: «فئران أمي حصة» لسعود السنعوسي.. استشراف المستقبل ورسالة تحذير للمجتمع

فرغللي والسنعوسي في الأمسية
فرغللي والسنعوسي في الأمسية

كتب محمد جاد:
أقام المكتب الثقافي المصري بالكويت أمسية أدبية، استضاف فيها الروائي سعود السنعوسي، لمناقشة آخر أعماله (فئران أمي حصة)، التي أثارت بعض الجدل حول المستوى العام للرواية، من حيث البناء والموضوع، وشارك في الأمسية العديد من المهتمين، كالروائي المصري إبراهيم فرغلي، الذي أعدّ ورقة نقدية عن الرواية، والناشرة فاطمة البودي، وغيرهما.

تبدو الرواية من خلال حكايتين، طبقاً للبينية الزمنية لكل منهما؛ فالأولى تحاكي تاريخاً معاصراً عايشه المؤلف طفلاً، وجاءت باسم «إرث النار»، مقسماً إياها إلى فصول أربعة، أو «أربعة فئران» .. (الفأر الأول.. شرر)، (الفأر الثاني.. لظى)، (الفأر الثالث.. جمر)، (الفأر الرابع.. رماد)، وتسرد جميعها حكايات شخوصه في فترة احتلال العراق للكويت، وما قبلها، وما بعدها، أي في مرحلة طفولة ومراهقة الشخوص. أما الحكاية الأخرى، فجاءت تحت عنوان «يحدث الآن»، وهي عبارة عن أحداث متلاحقة في يوم واحد، وبالتحديد في 12 ساعة، خلال يوم غير محدد من أيام عام 2020، تبدأ عند منتصف النهار وتنتهي عند منتصف الليل، موثقاً للمستقبل بالساعة والدقيقة، عبر الشخوص ذاتها، الذين تجاوزوا سن الأربعين بقليل، وأبطال حصة وفئرانها ينتمون إلى عائلتين.. شيعية عراقية، تتمثل بالابن صادق وتوأمته حوراء ووالده صالح الكاره لكل من هو سنّي، وعائلة الجار السنيّة الكويتية، وتتكون من فهد صديق صادق، وعمته عائشة، والجدة التي ينادونها بـ «أمي حصة»، وأيوب، وضاوي ابن خال الراوي الذي هو صديق الاثنين، أما بقية الشخصيات، فهي ثانوية، وجاءت كمحركة للأحداث، وتمثلت في الجيران والمعارف من عائلات فلسطينية ومصرية ومن جنسيات أخرى، حيث يجمع كل هذه الشخصيات حي واحد.

كما اعتمدت الرواية على مقولة وردت في مسلسل «على الدنيا السلام»، الذي شكَّل وجدان الكثير من شباب الكويت، الذي أذيع عام 1987، ومثلت فيه إحدى البطلات شخصية (فؤادة) التي تحذر الناس من الفئران التي تجلب الطاعون بتلك المقولة التي تصدرت الرواية: «أنا التاريخ كله، وأحذركم من الآن، الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون!»، والتي كان صوتها أحد أربعة أصوات مرعبة في طفولة البطل/الراوي.

الهوية والواقع الفعلي

قدَّم إبراهيم فرغلي رؤيته للرواية، من خلال تفكيك رموزها وبنيتها السردية، وخاصة بنية الزمن، أولهما زمن واقعي، يفترض أنه يحدث الآن، لكن سرعان ما يتضح للقارئ محاولة متخيلة لمستقبل قريب هو تقريبا عام 2020، وتتمحور وقائع هذا في يوم واحد تقريباً.. أما الزمن الثاني، فيتضمن زمناً ماضياً يعود إلى الكويت منذ مطلع الثمانينات حتى الغزو وما بعده بقليل. ويأتي هذا الزمن الآخر في هيئة نص روائي، يفترض أن كاتبه هو الراوي لوقائع اليوم الواحد في كويت 2020، حيث نرى أهوالاً وأحداث عنف بالغة، أطرافها معسكران/طائفتا السنة والشيعة، الذين أغرقوا البلد في حرب أهلية.

ويرى فرغلي أن الراوي يقدم الطفل «كتكوت»، كمعادل لصوت الهوية الكويتية الوطنية، أزمة الهوية هذه التي أصبحت مُلحة وظاهرة في العديد من الأعمال الأدبية الآن.
من ناحية أخرى، أوضح فرغلي أن الرواية تولي اهتماماً كبيراً بالرموز، وخاصة في ما تحمله الشخصيات من ثقل رمزي، يتعدّى مجرد الثقل الحكائي، فـ «حصة» نفسها هي رمز للهوية ومعادل جوهر تراث الكويت ووعيها الثقافي، ذاكرة تاريخ المجتمع، التي تؤكد أن أي مجتمع بلا ذاكرة لا يمكن أن يكون له مستقبل، أو هوية، فهي حافظة التراث، وحاملة القيم التي انبنى عليها المجتمع الكويتي وتطور ونهض.

أما الفئران، فرأى فرغلي أنها ترمز إلى فكرة الوباء، الذي يمكن أن تتسبب في نقله لمجتمع تمثله بيضات مكسورة لا تجد من يحميها، بعد أن فقدت راعيها – الذاكرة والتراث ومشاعر الوطنية والمعرفة.

وأضاف أن «فكرة الرواية فكرة عامة، تخص مجتمعات عربية عدة، وخاصة في اللحظة الآنية، التي نشهد فيها نيران الطائفية التي تريد تقويض المجتمعات والدول، والعودة بها إلى حالة القرون الوسطى».

النص ليس للمتعة

بدوره، علَّق سعود السنعوسي على الانتقادات التي طالت الرواية، بداية من كون النص الروائي ليس للمتعة والتسلية، لكنه رسالة.

وأضاف أنه لا يهتم إلا بالنقد الذي يتناول النص نفسه، ويبدو نتاج قراءة جادة وحقيقية للعمل، فحديث من قبيل كان على الكاتب أن يفعل كذا وكذا، أمر يبدو كالهراء!

وأشار إلى أن الرواية، ما هي إلا خيال روائي، تستخدم بعد المقدمات الحياتية، والتي من خلال الخيال من الممكن أن تؤدي إلى نتائج محتومة. وشدد على أن الرواية رسالة تحذيرية للمجتمع، حتى يحاول أن يتفادى ما قد تؤدي إليه الشواهد الآن، من التمييز الطائفي والانغلاق، وما شابه من آفات كنا نظن أننا تجاوزناها، لكنها ظهرت بقوة الآن.

وأوضح في الآخير، أنه لا يملك شرف الإمتاع، فالمتعة مهمة، ولكن ليس لها دور أصيل للكاتب، بقدر ما يقدم رؤية جامعة.

اللهجة المحلية

وأشار السنعوسي إلى أن استخدامه اللهجة العامية الكويتية، جاء من خلال النص، فالنص يفرض لغته.. ورغم أنه ضد اللغة المحلية في الحوار، فإن السرد يفرض ذلك، وأن السياق يحتم اللجوء إلى هذه اللهجات المختلفة، مصرية أو كويتية أو غيرها من اللهجات، ومن خلال هذا السياق يمكن تفسير هذه الكلمات، فمنذ كتابة ودخول اللهجة المحلية صارت هناك ألوان في الرواية وتشابك الحوار في المشهد بين كويتي وفلسطيني وهندي، وأغلب الكلمات الغريبة تعمدت أن يفسر السياق غموضها، فالسياق هو المفسر.

من الرواية

ونختتم بهذا المقطع الدال من الرواية «ينضج واحدنا كحبة التمر، ظاهرها لين ونواتها أقسى من أن تلين، نواصل إخفاء ما بداخلنا بعد عجزنا عن إصلاحه، بأغنياتٍ لفظت أنفاسها الأخيرة منذ سنوات، وكأننا اجتمعنا في هذه الشقة، انتقاما من ماضٍ كاذب بخداع حاضرٍ أحمق، نعيد بث أغنياتٍ منتهية الصلاحية، نسعى لخداع جيل مقبل، كي لا نشعر أننا وحدنا من انطلت عليه الخدعة!».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *