الرئيسية » ثقافة » في ديوانه «الحب لا يغادر البلاد»: المغيرة الهويدي.. الكتابة عن موت يستمر

في ديوانه «الحب لا يغادر البلاد»: المغيرة الهويدي.. الكتابة عن موت يستمر

المغيرة الهويدي
المغيرة الهويدي

انطباع: هدى أشكناني
عن الدار العربية للعلوم ناشرون، صدرت المجموعة الشعرية الأولى للشاعر المغيرة الهويدي (الحب لا يغادر البلاد).

تقع المجموعة في 192 صفحة، من القطع المتوسط، وقُسّمت لعدة أقسام رئيسة، تتفرع منها النصوص تباعاً، وهي كالآتي:

(في الوحدة وعن، رؤى محنطة، والأم، الحب لا يغادر البلاد، في مديح جسدها، دمشق الهامش والمتن، وطن وعلم ومقبرة «حفر على الزنك»، الحرب لا تقول الحقيقة كاملة، أوراق على طاولة مواطن مفقود).

جاءت نصوص المجموعة انعكاسا لما يشعر به الشاعر تجاه وطنه – سوريا- وما خلفته الحرب، من قتل وموت وبشاعة، شوَّهت جمال ذكرياته هناك.

في نص «الحياة وحيداً»، يريد الهويدي أن يقول حقيقة إن هذه الحياة مجرد وهم كبير، رغم كل الأنشطة التي تقوم بها، إلا أنك ستعود للحقيقة ذاتها.. الوهم، وفي مقطع منه يقول:

تمر الأيام ولا تتعلم أبسط حقيقة في هذا الكون، الموت وحيداً!
ليس مهماً أن تدرك الحقيقة الأعظم، الحياة وحيداً، لأنك لن تنجو من حاجتك إلى الوهم
لن تنجو من رغبتك في الحياة مع الآخرين..
هذه هي لعبة الحياة، العيش وهماً!

(ص11)

الوحدة

يؤكد المغيرة على الوحدة في نص آخر يقول فيه:
كأنني الريح
أشيّع نفسي في الهجير إلى دروب القرية
وحيداً أقابل ساحتها الوحيدة
لا وجوه تقابلني لرد تحية الغبار

(ص20)

……………………..
كأنني الريح وحيداً
أجدل الزوابع في الجنوب
أشيعني على عرض الخريطة!

(ص21)

روتين

في الباب الثاني (رؤى محنطة)، يقول في نص «روتين» عن الحياة:
هذه الأيام مثل خزانة الثياب
كان جديداً
وكنتُ سعيداً
وكنتُ أنتظر الصباح
لأرتديه..
لأمضي إلى مصادفة متقنة
وكنتُ..
لكنَّ القمصان تشابهتْ عليَّ!

(ص29)

نوح

في نص موجع، استحضر به قصة النبي نوح في طريقة مدهشة، يقول:
أحملُ سفينتي فوق رأسي
أرفعها كي تنجو من هلاك الطوفان..
يا ربَّ السفينة!
ألم تقل لي: «اصنع الفلك»؟
صنعته..
ومرَّ الرفاق يتغامزون
رموني بالحجارة
حاولوا كسري وكسر ألواح الخشب
أحدثوا في القلب ثقباً
قالوا: «إنني مجنون»!
أنقذ السفينة يا رب!
أنقذها كيلا يشمت البحر والرفاق!

(ص35)

والأمُّ

في الباب الثالث (والأمُّ) نصوص شفيفة كتبها الشاعر بإحساس حقيقي يخترقكَ عنوةً.. من نص «المكحلة النحاسية»، يقول:
لا أحتاج أكثر من مكحلتك النحاسية
أخطُّ بها طريق العودة
وبإبهامي أفرك الكحل على البياض
يصير صفصافاً
وأجلس في الظل أتأمل الفراتَ تحت قدميكِ!

(ص56)

……………………..
لا أحتاج أكثر من عمرٍ أعود به جداراً يقابلك
وأنتِ تتربعين على بساط الصوف الملون
تمشطين شعركِ، تتحسسين المتساقط منه، تكورينه، وتجمعينه وسادة وأهزوجة:
ولدْ يا بو بارودة طير الحباري دونك
يا ريتني مخدة ويسهن عليّ عيونك

(ص57)

انفصال

لم يوفق الشاعر في تقديم بابي «الحب لا يغادر البلاد» و«في مديح جسدها»، فالقارئ للمجموعة قارئ لوحدة كاملة لا منفصلة، وفي هذين البابين انفصل القارئ عن المشاهد الحقيقية التي تدور حولها المجموعة، وكأنها زائدة عنها.
نص «متن» من أجمل وأصدق نصوص باب «دمشق الهامش والمتن» – برأيي- يقول فيه:

في الغياب

تعبركَ البلاد دون أن تطال نافذتكَ
هي البلاد
حمام يخشى نقر الزجاج
يخشى أن تطاله نظراتك
يقترب ليأخذ ما تناثر من فتات حنينك..
يأخذ فتات حنينك!
………………..

في الغياب

تحرص على أن تبقي سهدكَ مضاءً بالماء والخبز
لكنك لا تنتظر رؤيتها
لا تستمع بالتقاط مناقيرها
تبتسم لذاكرتك التي لا تنطفئ
ليدكَ التي تزيح الستارة قليلاً
لصباحكَ الذي يرحل إلى منتهى القيظ
هنا
في الغياب
تحطُّ البلاد
تطير البلاد!

(ص126)

مجموعة شعرية تحمل صوراً جاذبة، لا تخلو من شرود في بعض أجزائها، لكنها تحمل همَّاً شفيفاً، تعتريكَ عتمة مؤقتة وأنت تقرأ..
المغيرة الهويدي.. الكتابة عن حرب لا تتكرر.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *