الرئيسية » عربي ودولي » سقوط المدن العراقية وآفة فساد المؤسسة العسكرية

سقوط المدن العراقية وآفة فساد المؤسسة العسكرية

«داعش» يدخل الرمادي آمنا بعد انسحاب الجيش
«داعش» يدخل الرمادي آمنا بعد انسحاب الجيش

محمد الغربللي:

اتهامات داخلية وخارجية تم تبادلها، إثر سقوط مدينة الرمادي، التي تبعد 110 كلم عن بغداد، بيد «داعش»، وانسحاب الجيش العراقي منها، من دون مقاومة أو قتال.

الاتهامات الداخلية منبعها أطراف سياسية عراقية متنافسة، حتى حول ملابسات سقوط المدن، واحتلالها من قوات «داعش»، فكما سقطت الموصل العام الماضي، وتم تشكيل لجنة تحقيق وتوجيه الاتهامات لرئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، ها هي مدينة عراقية أخرى ترفع الراية البيضاء في زمن رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي.

عندما تم احتلال مدينة الرمادي، بعد انسحاب قوات الجيش منها، خرجت عدة تبريرات، صرَّح بها مسؤولون سياسيون أو عسكريون على المستوى الداخلي العراقي، بعضها يقول إن القيادة العسكرية لم تحظَ بالتسليح الكامل لمواجهة قوات «داعش»، وأخرى عزت الانسحاب، لاجتهادات القيادة العسكرية العراقية في الميدان، لاعتقادها بأن طيران التحالف، وبالذات طيران الولايات المتحدة، لن يكون قادرا على تأمين الحماية الجوية للقوات العراقية في الميدان، نتيجة سوء الأحوال الجوية في تلك الأيام، علماً بأن الطائرات الحربية الأميركية لا تبعد إلا 70 كيلومترا عن الرمادي في قاعدة عين الأسد شمال غرب المدينة.

الاتهامات الخارجية

أما على مستوى الاتهامات الخارجية، فقد عبَّر عنها صراحة وزير الدفاع الأميركي في مقابلة له مع شبكة «سي إن إن» بالقول إن «ما حصل عائد إلى أن القوات العراقية لم تبد إرادة للقتال، وهناك مشكلة مع إرادة العراقيين في قتال تنظيم داعش وفي الدفاع عن أنفسهم».. وكما تأخذ الاتهامات منحى الاتجاهات السياسية على المستوى الداخلي، فإن الأمر ذاته ينطبق على المستوى الخارجي، وهذا ما عبر عنه بشكل مناقض لتصريحات وزير الدفاع الأميركي، الجنرال قاسم سيلماني، مسؤول قوات حرس الثورة الإسلامية، عندما تحدَّث حول انسحاب القوات العراقية من الرمادي، مبرراً ذلك بأن «الولايات المتحدة الأميركية لم تفعل شيئاً لمساعدة الجيش العراقي للتصدي لتنظيم الدولة في الرمادي»، متسائلاً في الوقت نفسه عن «جمود المقاتلات الحربية الأميركية في قاعدة عين الأسد التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات من الرمادي، إلا أنها لم تفعل شيئاً، وهذا لا يعني سوى المشاركة في المؤامرة».. تبريرات واتهامات متبادلة، ولكن في المحصلة النهائية تم انسحاب الجيش من مناطق تمركزه واحتلال مدينة ذات موقع استراتيجي من قِبل قوات «داعش»، ويعتقد الكثيرون من المتابعين للشأن العراقي، بأن الآفة الرئيسة للمؤسسة العسكرية ليست قلة الإمكانات والقدرة، بل في الفساد المستشري في تلك المؤسسة القادرة على «هضم» الكثير من الأموال، التي تقدر بالبلايين من دون رقيب أو حسيب.

مستنقع فساد

مازلنا نذكر قيام المالكي بإلغاء صفقة الأسلحة الروسية، نظراً لما شابها من فساد ورشى صاعقة، فهل كان ذلك لمحاربة الفساد ووقف العمولات الكبيرة، أم بسبب صراع الأطراف الحاكمة على تقاسم العمولات أو الاستحواذ عليها؟

والجميع يذكر أيضاً الأعداد الكبيرة من أفراد القوات المسلحة المنعوتين بالأشباح، كون أسمائهم موجودة في كشوفات الرواتب، ولا وجود لهم، أو في أحسن الحالات أسماؤهم الحقيقية موجودة، ولكن ليس لهم علاقة بالجيش لا من قريب أو بعيد، أفراد الجيش يعلمون ذلك، كما الرتب العليا، فلا يوجد فوهة أوسع من فوهة المؤسسة العسكرية القادرة على استيعاب الفساد المستشري في كافة قطاعات الدولة في العراق بصورة أو بأخرى، والعجيب أنه بنزوح أهل الرمادي المشردين باتجاه بغداد، كمكان إيواء لهم، يتم منعهم من دخول العاصمة، ويتم تجميعهم في معبر «بزيبز»، ما لم يجدوا كفلاء لهم في العاصمة، ليستطيعوا الدخول، ما أدَّى إلى بيع الكفالات بسبعمائة دولار من قِبل بعض سكان العاصمة للمشردين من الرمادي!

كما أن اللاجئين لم يسلموا من الابتزاز، وغدا الكنترول الأمني لدخول سكان الرمادي إلى العاصمة أداة للحصول على الأموال، السبب الأساسي لأوضاع المؤسسة العسكرية العراقية، سواء منذ ما يقارب العام في الموصل أو هذه الأيام في الرمادي هو الفساد المستشري منذ دخول القوات الأميركية إلى العراق عام 2003، فكم من الوزراء من نهب وعند اكتشاف مقدار نهبه غادر مستخدماً جوازه الأجنبي، الذي يحمله، والأمر ذاته تم بين الكوادر الإدارية الأخرى أيضاً؟

لقد أصبح العراق ما يشبه الأرض المشاع.. لهذا أتى التنادي الأوروبي لتدارك الأمر، حتى لا يزيد الشق، وتندثر الدولة، وتصل شظاياها المميتة إلى سائر الإقليم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *