الرئيسية » آخر الأخبار » االوجهة الفكرية للحركة الوطنية الكويتية (6): مظاهر التطرف والتسلط السياسي والديني تسود عالمنا العربي

االوجهة الفكرية للحركة الوطنية الكويتية (6): مظاهر التطرف والتسلط السياسي والديني تسود عالمنا العربي

الحضور في ساحة الإرادة ينتظر الحقيقة
الحركة الوطنية الكويتية مطالبة ببرنامج واقعي

كتب د.عبدالله الجسمي:
انتهيت من هذه الدراسة منذ ما يقارب العام ونصف العام، لكن حالت كثرة الانشغالات عن نشرها في وقت مبكر.. ومع إعادة قراءتها أخيرا، وطلب الرأي من بعض الشخصيات الوطنية والثقافية، الذين أبدوا، مشكورين، عدداً من الملاحظات عليها، إلا أنني اكتفيت بملاحظات محدودة جداً لم تمس النص الأصلي.

وعلى الرغم من أن الدراسة تتحدَّث عن الحركة الوطنية الكويتية، وواقع المجتمع الكويتي، فإن هناك الكثير من أفكارها يتماشى مع الواقع السائد في المجتمع العربي، وإشكالياته السياسية والفكرية والثقافية، فالكويت جزء من الوطن العربي، وما يجرى فيه ينعكس عليها، نظراً للتشابه الكبير في الواقع الاجتماعي والثقافي.

عبد الله الجسمي
عبد الله الجسمي

وتتضمَّن الدراسة انتقادات للطريقة التي فُهم بها مفهوم «القومية» في الفترة التي ازدهرت فيها الحركة القومية العربية، وكذلك انتقادات للأيديولوجية بشكل عام، وآمل ألا يُقابل ذلك بردّ انفعالي أو عاطفي، لمن يرغب في الرد، إن وجد، على مضمون الدراسة، بل المطلوب رد عقلاني ومتجرد من الأهواء والعواطف والأدلجة، حتى يمكن الوصول إلى تصوُّرات وأفكار أفضل، لمصلحة التيار الوطني والمنتمين إليه.

يبدأ د.عبدالله الجسمي بطرح سؤال جوهري أساسي: ما البديل؟، باحثا عن إجابات وقناعات محددة حول مسألتي الهوية والأيديولوجية، يقول:

نأتي في هذا الجزء من الدراسة إلى تحديد الوجهة الفكرية للحركة الوطنية الكويتية في ضوء المبررات السابقة لرفض الطرح السابق للقومية، وكذلك الأيديولوجيا.
ولا شك أن تحديد الوجهة الفكرية لابد أن ينطلق من وحي الواقع الذي نعيشه ومتطلباته، وما يجري في العالم من تطورات، أي إذا كنا نعد أنفسنا جزءاً من هذا العالم وتطوره الفكري والحضاري، لابد أن تأتي تطلعاتنا الفكرية بما يتلاءم مع التطورات العالمية، للحاق بركب الحضارة الإنسانية، مع الحفاظ على الخصوصية المحلية، نظراً لكوننا للأسف من أكثر أمم العالم تخلفاً وتراجعاً على كل صعيد تقريباً.

وتحديد الأسس التي تبنى عليها وجهتنا الفكرية لابد أن تنطلق من ما يتطلبه الوقع من أفكار تحديثية للخروج من الأزمة الفكرية، التي نعيشها وفهم موقعنا الحضاري الحالي والأسباب التي دفعت لأن نكون في هذا الموقع. فنحن نعيش مرحلة تحولات شبيهة بالتي عاشتها أوروبا في العصور الوسطى إلى عصر النهضة، ومن ثم العصر الحديث، حيث مظاهر التطرف والتعصب والتسلط الاجتماعي والسياسي والديني تسود في معظم بقاع الوطن العربي، علاوة على أنماط التفكير التي لا تعبر عن العصر وتطوراته الجارية.

صراع بين تيارين

ما نعيشه في الوطن العربي يتلخص في الصراع ما بين تيارين؛ الأول يسعى لتحديث المجتمع مادياً وثقافياً وفكرياً، وكان له في فترة ما الريادة، إلى أن جاء حكم العسكر في النصف الثاني من القرن العشرين، والثاني التيار المحافظ التقليدي، الذي يضم شرائح اجتماعية وسياسية وتقليدية وقوى الإسلام السياسي، ومن سار في فلكها، حيث يرى هؤلاء أن عملية التحديث تمثل تحدياً حقيقياً لقيمهم وأفكارهم وطموحاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن الصراع السياسي الظاهري الذي نعيشه، في جوهره صراع فكري وثقافي، ولا يمكن التغلب عليه أو تجاوزه عبر المواقف السياسية، فالمواقف السياسية تتبدل ويمكن أن يتبناها أي طرف، سواء عن قناعة أو تحت ضغط الشارع، أو عبر التكتيكات السياسية، كما حدث أخيرا، عندما حاولت قوى الإسلام السياسي أن تظهر نفسها على أنها قوى ديمقراطية وحامية للديمقراطية.

إن التغير المطلوب، هو تغير فكري وثقافي، لأن ذلك سيعكس نفسه حتما على طريقة تفكير العامة وثقافتهم وسلوكهم، ومن ثم تحقيق التغيير الحقيقي، الذي يقف على أرضية صلبة، لا عبر مواقف سياسية عرضة للجدل أو التبدل وفق الظروف.

خصوصية كويتية

وتجدر الإشارة إلى أن المجتمع الكويتي يتمتع بخصوصية ليست موجودة في غالبية الدول العربية الأخرى، وهي كونه مجتمعاً منفتحاً به هامش كبير من الحريات، ونظام دستوري ديمقراطي، وإن تخللته مظاهر غير ديمقراطية في فترات متقطعة من العمل بدستور عام 1962.. وعلى الرغم من ذلك، فإن طبيعة القوى السياسية الفاعلة فيه حالياً، وكذلك الشرائح الاجتماعية، لا تختلف كثيراً عن المجتمعات العربية الأخرى، حيث تتراجع فيها قوى التحديث أمام القوى المحافظة والداعية للعودة بالأمور إلى الوراء.

إن تحديد الأسس الفكرية للحركة الوطنية الكويتية لابد أن يأتي من الفهم الدقيق للواقع المحلي، والخصوصية الكويتية وتطور المجتمع الكويتي والتحولات التي جرت فيه، خصوصاً بعد تدفق الثروة النفطية.

محاور ثلاثة

وفي هذا الصدد، يمكن تحديد ثلاثة محاور أساسية تصلح لأن تكون نقطة انطلاق لمعالجة الوضع الفكري الحالي، وهي أفكار التنوير والثقافة والعلم.
هناك مشكلة فكرية حقيقية يعيشها مجتمعنا، والمجتمع العربي، ككل، ظهرت بشكل كبير خلال أكثر من أربعة عقود، خصوصاً بعد تراجع المد القومي والأفكار الحديثة التي تزامنت معه، وبروز القوى الأصولية التي تروج للإسلام السياسي، علاوة على نزوح فئات اجتماعية إلى المدن من أماكنها التقليدية، وتسييس الشرائح الاجتماعية من قِبل السلطات الحاكمة، وتسييس التعليم والثقافة وانتشار مظاهر القمع والتسلط الاجتماعي والسياسي.. كل ذلك ساهم في حالة التراجع الفكري الذي انعكس تقريباً على مختلف المظاهر السياسية والاجتماعية والثقافية.

النزعات الثلاث

إن طبيعة الأفكار الحالية السائدة في المجتمع العربي، كما تمَّت الإشارة إليه، شبيهة بأفكار العصور الوسطى، أو تطابق معظمها، وكذلك طرق التفكير التي تتسم بالتطرف وإقصاء الآخر والتعصب وغيرها من أنماط التفكير غير العلمية أو العقلانية تقف حجرة عثرة أمام أي تقدم حقيقي للمجتمع. ما نحتاجه إذن، هو السمات العامة لعصر التنوير أو الأنوار، بنزعاته الثلاث: العقلية والعلمية والإنسانية.

العقل

العقل في الواقع العربي والمحلي فقد حريته واستقلاليته، فهو إما مكبَّل بأفكار اجتماعية لا يستطيع الفكاك منها ترسم طريقة تفكيره، وممارسات الأفراد وتصنيفهم مع أقرانهم في المجتمع وفق الخلفية الاجتماعية التي ينتمون إليها، وإما مقيد بأفكار أصولية ذات بُعد طائفي تدفع للتعصب أو التطرف والانغلاق واحتكار الحقيقة وعدم تقبل الآخر، أو تهيمن عليه الخرافة والطرق الغائية من التفكير والتفسير، وينظر للواقع نظرة ذاتية أو شخصانية ولا يقيم وزناً للتفكير العقلاني والعلمي.
والعقبة الكبرى التي تعيشها العقلية العربية والمحلية هي الخضوع للسلطة، سواءً كانت سلطة سياسية أو اجتماعية أو فكرية وتقبل العقل العربي أو المحلي لها، ما يهمش العقل ويصادر دوره في التعامل مع الواقع ومشكلاته.

كما أن ذوبان الفرد في إطار المجموع يفقد العقل استقلاليته الفكرية، ويصبح رهن ما تفكر فيه الجماعة أو الشريحة الاجتماعية التي ينتمي إليها، وهذا لا يتماشى مع الثقافة الحديثة القائمة على الفرد واستقلاليته وحريته في التفكير والاختيار.

وقد نتج عما سبق، سيادة مفاهيم التسلط وتقبل الأفكار على عواهنها واكتسابها بالوراثة وغياب أي شكل من أشكال التفكير النقدي أو التحليلي، وغياب التساؤل حول الظواهر والمشكلات القائمة، الذي يمثل البوابة التي تقود إلى التغيير.

فالخلل الرئيس الذي نعيشه في واقعنا، هو طريقة التفكير التي تعد جوهر العقل. فالإنسان عبارة عن مجموعة من الأفكار وطريقة تفكير إذا تم توظيفهما بطريقة سليمة ستؤدي بالتأكيد إلى نتائج إيجابية، وإذا وظفت بطريقة غير سليمة ستكون النتائج عكسية حتماً. فنحن نعيش في مجتمع نستخدم فيه أحدث الأدوات التكنولوجية، ويقوم ربما على أحدث بنية مادية تحتية، إلا أن طريقة التفكير السائدة فيه لا تعبر عن التطور المادي والتكنولوجي الذي نستخدمه.

وإصلاح طرق التفكير، هي أحد أهم وسائل علاج الأزمة الفكرية والثقافية التي نعيشها. فالمطلوب هو إعادة تأسيس العقل على أسس عقلانية وفكرية جديدة شبيهة بما جرى في أوروبا من تحولات في العصر الحديث. فالعقل لابد أن يتحرر من أي سلطة كانت؛ سياسية أو فكرية أو اجتماعية، ويبنى على أسس منهجية، ويتعامل مع المشكلات بطريقة علمية وواقعية، ويتخلص من طرق التفكير التي لا علاقة لها بروح العصر.
فالعقل الحُر والمستقل، هو القادر على الإبداع والتحديث والتطوير ورؤية العالم وفهمه بطريقة عقلانية تتيح للأفراد والمجتمع التعاطي مع واقعهم. ومسألة فهم العالم والواقع بالطريقة السليمة، هي المفتاح الأساسي لتحقيق تغيير فعلي في مجتمعنا، فالنتائج تأتي دائماً من المقدمات، ومتى ما فهمنا الواقع بطريقة عقلانية وعلمية نستطيع التعامل معه وتغييره.

العلم

أما بالنسبة للعلم، فهو من دون شك العنصر الأساسي، الذي أحدث التحولات النوعية في مسيرة البشرية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إحداث أي تغيير في أي مجتمع إلا من خلاله، لا يقتصر العلم على التدريس ومعرفة المعلومات، بل يتجاوز ذلك إلى الفهم والتطبيق والتفكير.
العلم، إن جاز التعبير، هو الأداة التي استخدمها الإنسان في فهم الطبيعة والعالم، ومن ثم التعامل مع المشكلات، والتطبيق يعني دخوله مجالات الحياة اليومية مع قضايا الواقع ومشكلاته.

وعلى الرغم من انتشار التعليم بشكل واسع في مجتمعنا، فإنه لم يحدث تأثير يذكر في تفكير الطلبة أو المواطن بشكل عام، وصلته تكاد تكون منقطعة تماماً عن الثقافة، فأساليب التعليم وطرق توصيل المعلومة والمناهج العلمية بالطريقة التي تدرس بها، لم تنجح في خلق طالب أو مواطن صاحب تفكير منفتح ونقدي أو يعي قيمة العلم والتفكير العلمي إلا ما ندر.

لابد إذن أن يكون العلم أحد الروافد الفكرية للحركة الوطنية الكويتية، والمقصود هنا ليس العلم النظري الصرف، بل تأثير العلم على المجتمع والإنسان والتفكير والثقافة، وكونه العامل الأبرز في بناء الإنسان المعاصر، لمواجهة الواقع ومشكلاته ومحاولة إيجاد الحلول لها.

إن الإشكالية الرئيسة التي نعيشها في مجتمعنا والمجتمع العربي بوجه عام، هي عدم قدرة العلم والمعرفة العلمية على التغلغل في مجتمعاتنا، لسبب جوهري، هو وجود معرفة رديفة للعلم في تفسير العالم والواقع ومشكلاته، يقودها الأصوليون والتوفيقيون، تأخذ الطابع الذاتي وتفتقر للأدلة والبراهين العلمية المادية.
والمعرفة الرديفة للعلم يغلب عليها الطابع غير الواقعي، وهي مسؤولة عن الثقافة الدارجة، التي نعيشها بمظاهرها المختلفة، وتعد في الوقت نفسه العقبة الحقيقية لعدم انتشار الثقافة العلمية والتفكير العلمي.

إن انتشار العلم وأساليبه ومناهجه وطرق تفكيره، في تناول المشكلات وحلها والرؤية للعالم، ككل، هي النقلة النوعية المطلوبة في المجتمع، فهي تمثل مفترق طرق مهم وطريقة تغيير جذرية، إما أن نأخذ بها ونكون جزءاً من عالم يسير بخطى ثابتة من التقدم والتطور، أو نبقي في عالمنا الخاص، الذي لا علاقة له بما يجري في العالم.

الحلقة القادمة:
البديل الجديد

Print Friendly

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *