الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : من تاريخ الإلحاد

حبيب السنافي : من تاريخ الإلحاد

حبيب السنافي
حبيب السنافي

يخيَّل للبعض، وكأن فكرة الإلحاد مولود حديث، مع بزوغ الحضارة المادية وتداعياتها على الأخلاق والسلوكيات والمعاملات بين البشر، بينما هي في الواقع متلازمة مع أول وعي إنساني بالوجود.

الفكرة تطوَّرت من بداياتها، ما بين رعب وتربص من آثار التقلبات المناخية والأحوال الجوية، التي أوقعت لغزاً عسيراً على الوعي البدائي لإدراك كنهه، إلى محاولات التقرب والتوسل ممن يتصوَّر لعفويته من المحيط الطبيعي/ البيئي، أنه يتربص له، تهديداً وتحدياً لوجوده.

فكرة الإلحاد بذرة في الوعي البشري، ومن المستحيل ألا تثور وتتجاهر في أي ذهن بشري شرارة التساؤل الأبدي عن الخلق، وجوداً وعدماً، وعن المصدر الأول لكل ما تصوره العين وتلتقطه الأذن وتدركه الأذهان، وكما الأفراد، تسعى المجتمعات من نشوئها إلى الحاضر الراهن، سعياً عما يخلصها ويجنبها غضب وشرور الطبيعة، وإلى من يدمجها وجدانياً ويؤيدها نصراً وعضداً بمواجهة الأخطار المحدقة بها من بقية المجتمعات الإنسانية المنافسة لها على الأرض ومواردها.

فكرة الإلحاد ليست بالجريمة، أو من الكبائر المهلكات، كما يردد البعض، بل هي المنطلق للمعرفة الإيمانية، فالإيمان بصوره المتعددة انتزع من عقائد الإلحاد المتقادمة، بدلالة تطور الأفكار الدينية على مرّ العصور، وديمومة تلاقحها مع كل النظريات الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، في محاولات يائسة لتوحيد الرؤى حول مسألة الألوهية والتوافق على الثوابت الإيمانية الرديفة لكل نظرية دينية تمَّت بلورتها على مدى قرون ممتدة.

الطبيعة الإلحادية من الزلل مقارنتها بالعقيدة الإيمانية، فالعقيدة الإيمانية تفرض وتلزم تصوراتها وجود مصادر أولية للكون، نشأة وامتداداً وعاقبة، مع التقدير في مجريات الأحداث والوقائع ومواهب المنح والحرمان وتقييد الحرية والإرادة البشرية، بينما الطبيعة الإلحادية قوانينها، نشأةً وتطوراً، عقلنة بشرية خالصة لا تبالي بالمنافسة والوعيد الإيماني، فضاؤها وتفاعلها لا يتعديان المعقول البشري ومحسوساته، وإجاباتها عن المسائل الحياتية في شتى المجالات من العسير جداً حصرها.

الأفكار الإلحادية تعبر بجلاء عن مصالح وغايات الشعوب، ويمكن تشذيبها بالتفاعل الإنساني والتطور الحضاري، علاوة على أنها أفكار إرادة حرة، لم تقسر على الأفراد والمجتمعات قسراً، أو تفرض نفسها بالقوة، بينما المعتقدات الدينية مرآة للإرادة والمشيئة الإلوهية، التي اختارت فرداً مفرداً بلا تثنية أو جمع، للإيحاء والتبليغ، وهذا المحيّر فعلاً، بلا وجاهة سببية أو حكمة مؤولة، كما دأبت مجتمعاتها المتعصبة على التنازع والاحتراب بسبب التناقض والخلاف على التأويلات النصية، المستعصى التوافق والتقارب على معانيها ومضامينها.

في المتمم، الفكرة الإلحادية استغرقت الامتداد الزماني والمكاني للبشرية، ومهدها وبداياتها ومنطلقاتها انبثقت من منطقة الهلال الخصيب في بلاد الرافدين، ومحاولة توثيق الفكر الإلحادي حصراً بالحضارة الغربية الحديثة وإفرازاتها، محاولة غير مدروسة، وقصور بيّن في الاطلاع على الاجتهادات والمعتقدات الأولى للعقل البشري.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *