الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : نحو هُويّة.. جامعة

أحمد الجاسم : نحو هُويّة.. جامعة

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

قد يكون من الترف الفكري، أن نناقش إشكالية «الهوية العربية»، في ظل هذه الظروف الصعبة التي يمرُّ بها وطننا العربي، منذ انطلاق الاحتجاجات والثورات قبل بضع سنوات من تونس إلى الشام، وتكاد تكون أقسى ظرف نمر به عبر التاريخ، فحتى هجوم حملات الفرنجة (الصليبيين) والمغول والتتار وهولاكو، كان أهون على الأمة منه، لأن الغزو كان فيها خارجياً، وقد توحدت الجبهة الداخلية ضده، من دون لبس واشتباه في أجندته وأهدافه.. أما النزاعات الأهلية التي نشهدها اليوم في أكثر من قُطر عربي، فهي أشبه ببواكير اشتعال الفتنة بين المسلمين منذ مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وما تلت تلك الفاجعة من حروب صفين والجمل والنهروان، التي مزَّقت وحدة المسلمين، وقد اختلطت فيها رايات الحق بالباطل.

فـ «الربيع العربي» الذي انطلق ليس عِبْرياً، كما يصوره الإعلام «السلطوي» و»الممانع»، فهناك مطالب شعبية مستحقة، كالعدالة والحرية والكرامة والمساواة والتنمية، يجب أن نؤيدها وندعمها، وفي المقابل هناك ثورة «مضادة» يدعمها المعسكر الرجعي العربي والغرب الإمبريالي، عبر دعم عصابات مسلحة ظلامية ومتطرفة تشن حروباً شعواء على حضارتنا وثقافتنا وآثارنا وهويتنا ووحدة أوطاننا، بذريعة إقامة «الخلافة الإسلامية»، أو تطبيق الشريعة هنا أو هناك، كان آخرها حتى كتابة هذه السطور سقوط مدينة تدمر الحضارية وقتل مئات البشر فيها.

طبعاً لا نحتاج إلى التدليل على أن المستفيد الأول من كل ما يحدث هو الكيان الصهيوني، الذي يحرص على استمرار هذه المعارك الداخلية، إن لم يكن يغذيها، ويوجهها عبر حلفائه، تنفيذاً لنظرية «الإفناء المتبادل» بين الإخوة وأبناء الوطن الواحد.

إن هذا التهديد الخطير الذي يطول وجودنا، تمزيقاً وتفتيتاً، إلى كيانات ودويلات وأقاليم دينية ومذهبية وعرقية متناحرة، يدفعنا نحو الحاجة إلى «رابطة جامعة» بين أبناء الأمة العربية، تتجاوز الأطر الدينية والمذهبية والعرقية الضيقة، ومن هنا تأتي أسئلة «الهوية» الصعبة: مَن أنا؟ ومَن نحن؟ ومن أين أتينا؟ وإلى أين نمضي؟ وماذا نريد لأنفسنا وللآخرين؟ وما موقفنا من خريطة العلاقات والمتناقضات والصراعات القائمة؟

وإذا اتفقنا على تعريف د.عبدالحسين شعبان للهُوية، بأنها «مجموعة السمات الثقافية التي تمثل الحد الأدنى المشترك بين جميع الذين ينتمون إليها، والتي تجعلهم يختلفون ويتميزون بصفاتهم تلك عن أفراد الأمم والجماعات الأخرى» ( جدل الهويات في العراق)، ولو تمعنا بالخريطة الاجتماعية لعالمنا العربي، لوجدنا أن هناك أكثريتين تجتاحان هذا الوطن الكبير، من المحيط إلى الخليج، هما الأكثرية العربية، وفيها المسلم والمسيحي واليهودي والصابئي والإيزيدي…، والأكثرية المسلمة وفيها العربي والأعجمي، طبعاً باستثناء أقليات صغيرة ليست مسلمة ولا عربية، مثل: الأرمن وقبائل الجنوب السوداني، التي يجب احترام خصوصيتها وحقوقها والانفتاح عليها، للمزيد من التفاعل والتبادل.

ولو نظرنا لمسألة «الهُوية» العربية من منظور تاريخي، من حيث إنها وعي بالذات متطور ومتجدد وفق تعبير د.عابد الجابري (في كتيبه المهم: الهوية.. العولمة.. المصالح القومية)، الذي يرى فيه «أن التاريخ الحي في وعي أبناء هذه الأمة يبدأ مع الإسلام كدين وحضارة»، نجد أن العرب لم يكونوا أمة واحدة قبل الإسلام، بل كانوا جماعات وقبائل متناحرة على الكلأ والماء، وطبقة برجوازية، متمثلة بكبراء قريش وساداتها تمتهن التجارة.

من هنا، تأتي أهمية الحديث عن ارتباط العروبة بالإسلام، وميلاد أول كيان قومي عربي في عهد الرسول محمد (ص) في المدينة المنورة، عندما أقرَّ بصحيفته المشهورة مع سكان المدينة العرب، كالمهاجرين والأنصار واليهود، بأنهم جميعاً «أمة واحدة» متعاونون ومتضامنون ضد أي اعتداء خارجي.

ومع نضج الوعي القومي العربي، أصبحت العروبة هوية تتجاوز العرق والجينات، لتمتد لكل ناطق بلغة الضاد، ومنتمٍ لهذه الرقعة الجغرافية التي نعيش عليها، فالعروبة لا تعني نفي غير العربي، سواء كان من أصول إيرانية أو كردية أو تركمانية أو شركسية..، كما أن ارتباطها – أعني العروبة- بالإسلام لا يعني إلغاء انتماء العربي غير المسلم لها، سواء كان يهودياً أو مسيحياً أو صابئياً أو..، فالإسلام ليس ديناً فقط لأتباعه المسلمين، بل هو أيضاً حضارة وثقافة وتاريخ ممتد لكل أبناء الأمة العربية، بمختلف أديانهم. ويجب التأكيد أن «الهوية» ليست معطىً جاهزاً وثابتاً ونهائياً لا يقبل التغيير والتطوير والتجدد، كما يصوغه المتعصبون، بل هي بناء مفتوح يتفاعل مع الآخرين بانفتاح وحيوية وتجدد كي يستمر، بهذا المعنى تكون «العروبة» نزعة وحدوية جامعة، وليست عنصرية تتنافى مع تعاليم الإسلام، كما يصورها خصومها، أو كما فهمها بعض دعاتها الأيديولوجيين وأساؤوا إليها.

يتبع…

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقان

  1. خالد محمد الفحام

    مقال رائع غني بالشفافية والمصداقية وبقولة الحق بكل محتوياته ومقاصده هو جهد ضروري في المحنة التي نعيشها ويساهم بها كل العوامل الداخلية والخارجية

  2. الاستاذ احمد الجاسم
    اسعد الله اوقاتكم
    انا شخصيا من المتابعين لماتكتبونه ومن المعجبين بما تتناوله فيما يخص الواقع العربي وتسليط الاضواء على بعض الامور فيما يكتنفه اللبس والغموض او ماتحاول اخفاءه بعض الجهات المتسلطه هنا وهناك وكثيرا ماتردد في بالي بان الحصول على تفاصيل كهذه ليست بالامر الهين . وفقكم الله بجعل كتاباتكم ذات تاثير في الواقع العربي وسدد على درب الخير خطاكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *