الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : غلا المطيري وراشد الإبراهيم.. مَن أنتما؟

ناصر العطار : غلا المطيري وراشد الإبراهيم.. مَن أنتما؟

ناصر العطار
ناصر العطار

جاءت جريدة الشروق المصرية قبل أيام قليلة بخبر يقول إن المجلس العربي للمياه أصدر تقريرا، أعلن فيه أن 87 في المائة من الأراضي العربية قاحلة أو شبه قاحلة، وأن 18 دولة عربية تعاني ندرة المياه.

حين قرأت الخبر، الذي لخص ما جاء في التقرير بسطور قليلة، سألت نفسي، هل قلوب وعقول شباب العرب مثل أراضيهم قاحلة أو شبه قاحلة تندر لديها الآمال الطيبة والقدرات المتطلعة؟ دعوت الله على الفور، بألا تكون قلوبهم وعقولهم مثل أراضيهم، وتذكرت أن الشعوب تتجدد بأجيالها الشابة، وتقاوم الفتن بمدى الوعي الذي يصلون إليه وجمال الروح الذي يتصفون به، وتنهض بمدى الإرادة التي يتحلون بها، وتفرض وجودها في الدنيا بمدى احترامها لذاتها، وإصرارها على أن يكون لها دور في الحضارة الإنسانية. في عام 1967 وضعت حكومة الكويت، آنذاك، أولى لبنات تخريب وعي المجتمع الكويتي، الذي كان يمضي رويدا رويدا نحو بناء دولة ديمقراطية تصان فيها حقوق أفراد الشعب، من أموال وفيرة وأفكار متنوعة، دولة عصرية لم يكن يحتمي أهلها في الطائفية، حيث زورت الحكومة في ذلك العام نتائج انتخابات مجلس الأمة، وحرمت الغالبية العظمى ممن اختارهم الشعب ليكونوا نوابه من عضوية المجلس.. تزوير نتائج الانتخابات لا يعني تعطيل الحكومة لإجراء ديمقراطي فقط، بل يعني أيضا عدم رضاها عن درجة الوعي التي وصل إليها أغلب الناخبين الكويتيين، حيث احتكموا إلى عقولهم في الاختيار لأجل مصلحتهم العامة، خطوة التزوير تلتها خطوات وخطوات حكومية سجلها التاريخ السياسي، هدفت إلى تخريب الوعي الكويتي، أو الحد من ازدياده على أقل تقدير، حتى تتعطل المصلحة العامة وتتفرَّق لمصالح خاصة، ومن ثم يجد الناس أنفسهم كالفخار، الذي يكسر بعضه، فتبدأ لغة الإحباط وجلد الذات بينهم بالدوران، بلا توقف، بعد تزوير نتائج انتخابات مجلس الأمة عام 67، ووقوع نكسة العرب أمام إسرائيل في العام نفسه، وتحول معظم أوطان الأمة، شيئا فشيئا، لكيانات خاصة تحكمها الأنظمة بالحديد والمال، كان من الطبيعي أن يمتد التخريب ليطول أكثر من قطاع حيوي في البلد، حتى يتكرَّس في أذهان العقول الصاعدة ويترسخ، تم تخريب قطاعات، كالتعليم والرياضة – على سبيل المثال – وبتخريبها ستتوقف انطلاقة المجتمع، وستحكمه البغضاء، ويسيطر عليه الخمول الذهني، قبل البدني، بدلا من أن تسوده المحبة ويدب فيه النشاط.. القطاع الرياضي تسلمته جماعات متنفذة أهملت الشباب الرياضي، وراحت تلهث خلف الكراسي، فنجحت في الاستحواذ على أغلب المناصب الإقليمية والدولية، بينما حصدت أغلب منتخباتنا الوطنية الهزائم في شتى الألعاب.

أما القطاع التعليمي، فتسلمته جماعات تكفيرية معادية لحرية الكويتيين بثت ثقافة غريبة على الناس، فحواها السمع والطاعة للنهج الحكومي التخريبي، ولما تفرضه هذه الجماعات من أفكار متطرفة، من جراء هذا التخريب نشأت أجيال كويتية منذ أكثر من ثلاثين عاما في أجواء غير ديمقراطية، فبات الغالبية من أفراد هذه الأجيال لا يكترثون لتهميش الحكومات لدستور الدولة، ولا يُبالون لتراجع الهوية الجامعة للشعب، ولا يلفت أنظارهم تنامي الخطاب العنصري، بل إن الكثير منهم أصبحوا ينجرفون خلفه، وكأن الكويت وطن بلا تاريخ نقرأه فنعرف أن هناك دستورا للكويت تم تهميشه، ووعيا للكويتيين تم تخريبه، ولابد من تفعيل ما تم تهميشه، وتصحيح ما تم تخريبه.

قبل أسابيع قليلة تفضَّل أحد الكرام من خريجي جامعة الكويت القدامى بإطلاعي على مقتطفات من مطبوعة للاتحاد الوطني لطلبة الكويت، تعود لعام 1969، حملت عنوان «الحركة الطلابية الكويتية في 20 عاما»، أوضح فيها الاتحاد بكثير من التفصيل كيفية انطلاق بدايته وتوجهاته الفكرية في ذاك الزمان، وإسهاماته في خدمة الطلاب والطالبات والمجتمع، وعلاقاته التي امتدت مع الاتحادات والتنظيمات الطلابية في أنحاء العالم كله، فإذا كان الزمان قد تغيَّر، بتوجهاته الشمولية، وسقطت الشعارات البرَّاقة من جبين الاهتمام و المتابعة، فإن حقوق الناس في أوطانها تتجدد مع إشراقة كل نهار، وحريتها في التعبير عن نفسها تبقى ساطعة كالقمر، فكلما حجبها تزوير أو أرهبها احتلال أو نالها تخريب، ازدادت في إصرارها سطوعا، وما لم يطالب به ويناله جيل سابق، سيطالب به ويحصل عليه جيل لاحق، وكما جاء في أدبيات قائمة الوسط الديمقراطي العريقة «إن غاب عنكم جيل يولد ثانٍ»، وقعت عيناي على أكثر من سطر في مطبوعة الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، يشدد فيه على أن الطالب والطالبة أعضاء فاعلين في المجتمع، يتأثرون به ويؤثرون عليه، وبالتالي، فإن الحق لهم مكفول في إبداء الرأي.

إن من حُسن حظ المجتمع، أن يكون الطلاب والطالبات فيه متحركين، روحا وجسدا، فهذا يعني أن عروقه مازالت تنبض بالطاقة والجمال، وأن الحياة فيه ليست قاحلة.
من حُسن حظ مجتمعنا الكويتي، أن يرى في بيت الشعب طلابا وطالبات من المرحلة الثانوية من أمثال غلا المطيري وراشد الإبراهيم، في وقت تم تخصيصه لبرلمان الطلبة يطرح فيه الطلاب والطالبات آراءهم ويستعرضون مشاكلهم ومشاكل بلدهم وحلولها.

من الممكن أن يختلف البعض منا مع بعض ما ذكرته غلا المطيري وراشد الإبراهيم، أو مع عموم الطلاب والطالبات الذين تحدثوا في برلمان الطلبة، لكن الأهم أن نشاهد جيلا واعيا ومدركا يطالب بتطبيق الدستور كاملا، ويتساءل عن بطء تنفيذ المشاريع المهمة والحيوية في البلد، ويرفض قوانين تكمم أفواه الطلاب والطالبات، الذين هم أفواه حاضر البلد ومستقبله.

من أنتم يا برلمان الطلبة؟ من أنتم يا غلا المطيري ويا راشد الإبراهيم ويا أمثالهم من زملاء وزميلات لهم؟
هل أنتم ضميرنا الباقي ومحاسبتنا الحية وسماحتنا الكويتية الأصيلة وضحكتنا القادمة وجمالنا الذي لم يتشوه كله فصمد وبقي؟

لننتظر ونرى، فالكويت معين لا تنضب، والله لا يضيع تعب من بذل دمه وجهده لبزوغ ربيع العرب.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *