الرئيسية » آخر الأخبار » حديقة البلدية.. قصة «موت مُعلن»*.. وقانون البيئة «ذهب مع الريح»**

حديقة البلدية.. قصة «موت مُعلن»*.. وقانون البيئة «ذهب مع الريح»**

خنق رئة العاصمة.. ولا حياة لمن تنادي
خنق رئة العاصمة.. ولا حياة لمن تنادي

محمد الغربللي:
نبدأ من المادة 41، التي تنص على «كما يحظر إتلاف المزروعات والنباتات والأشجار وقطف الزهور في الميادين والشوارع والمرافق العامة أو اقتلاع الأشجار والنباتات البرية في الأراضي العامة».. هي مادة من جملة 181 مادة من القانون رقم 2014/42، الخاص بحماية البيئة، وهو قانون شامل لحماية البيئة البرية والبحرية وجون الكويت ومكافحة الملوثات البيئية، بشتى صورها وأشكالها، والقانون يقضي بمنع قطف الزهور في الأماكن العامة أو النباتات والأشجار، والذي يقوم بذلك يتعرَّض لعقوبة مالية.
حماية البيئة تحمل وجهين؛ المحافظة على البيئة ومكافحة الملوثات، وزيادة رقعة التخضير في البلد، كونها تساعد على خلق بيئة صحية للإنسان، وكلنا يتذكر الصيحات التي انطلقت من المناطق السكنية في جنوب البلاد، من جراء ملوثات المصانع هناك، وبالذات في منطقة أم الهيمان، ما دعا هيئة الزراعة إلى إنشاء حزام زراعي منذ سنوات، بامتداد شارع الفحيحيل باتجاه الجنوب، ولا يزال النمو الزراعي في هذا المشروع مستمرا، كطريقة لمواجهة التلوثات البيئية الناتجة عن بعض المصانع.

إذن، نعترف بأن المساحات الخضراء هي الوسيلة المثلى لتحسين البيئة، وهذا ما دفع العديد من دول العالم، ومنها بعض الدول الخليجية، وبالذات دولة الإمارات، إلى رعاية النباتات والمزروعات والأشجار بصورة مثالية.

اليافطة تنتصب أمام المشروع
اليافطة تنتصب أمام المشروع

مشروع مواقف السيارات

موضوعنا ليس قانون المحافظة على البيئة، الذي أقرَّه مجلس الأمة، وصدر في الجريدة الرسمية العام الماضي، وليس أيضاً إعطاء معلومات عن أولوية المحافظة على البيئة وتخضير البلد، بل عن تلك اليافطة المنتصبة في شارع فهد السالم في العاصمة، ليس بعيداً عن مجلس الأمة، الذي ناقش وأصدر القانون.. يافطة يُعلن فيها عن إنشاء مواقف سيارات لإحدى الجهات الاستثمارية، والمالك هو وزارة المالية، ممثلة بأملاك الدولة، وما تم تسويره لإقامة المشروع هو حديقة البلدية، أقدم حديقة عامة تم إنشاؤها في البلاد، بعد أن جرى تحويل المقبرة التي كانت في وسط البلد إلى حديقة عامة سنة 1958.. وبالطبع، مواقف السيارات لن تحافظ على أشجار أو نباتات في تلك الحديقة، بل ستقوم باقتلاعها من جذورها العميقة، أشجار معمّرة منذ ما يقارب الستين عاماً سيتم اقتلاعها، على الرغم من قانون حماية البيئة، الذي يحظر اقتلاع حتى الزهور في الأماكن العامة.. ومع ذلك، المشروع تم تسويره، وجارٍ العمل به، ولا عزاء لقانون حماية البيئة ومواده!

الجهات المسؤولة

جهات عدة هي المسؤولة عن هذا التجاوز البيئي، أولاها بلدية الكويت، التي يكرر وزيرها شكواه الدائمة من أداء جهاز البلدية، وفق ما تنقله الصحافة المحلية، وآخر تلك الشكاوى، ما نتج بعد اجتماعه بمديري البلدية، من جراء التجاوزات التي ترتكب في جهاز البلدية في عدة إدارات.
لاشك أن تحويل حديقة البلدية إلى مواقف للسيارات يحتاج إلى عدة موافقات من إدارة التنظيم واللجنة الفنية والمجلس البلدي.. سلسلة طويلة من الإجراءات مرَّت، من دون الأخذ بعين الاعتبار الرمزية التاريخية لتلك الحديقة، أو ضرورة حماية البيئة، أو مخاطر نزع الأشجار والمساحات الخضراء، وتمَّت تلبية طلب الجهة التي تقدَّمت بإقامة مشروع المواقف، والله يعلم مَن هم المستثمرون فيه!

الجهة الثانية المسؤولة عن هذا الموضوع، هي وزارة المالية – إدارة أملاك الدولة، التي وافقت على تحويل الحديقة إلى مواقف للسيارات، مع أن ما يعوز العاصمة ليس مواقف السيارات الموجودة فيها بكثرة، بل المساحات الخضراء التي تم القضاء عليها بهذا المشروع المدمر للبيئة، وزيادة المساحة الخضراء.

تجميد القانون

أيها السادة، عندما صدر القانون 42، بيَّن في مادته الثالثة هدفه، القاضي بـ «مكافحة التلوث والتدهور البيئي، بأشكاله، وتجنب أي أضرار فورية أو بعيدة المدى، نتيجة لخطط وبرامج التنمية الاقتصادية»، لكن القانون جُمّدت مواده أمام هذا المشروع، الذي بُوشر بتنفيذه، لا بأس أن تُقام مواقف في ساحة خالية، كحال المواقف التي أُقيمت في العاصمة، أما أن تُزال حديقة عامة وتتحوَّل إلى مواقف سيارات، فهذا الأمر يحمل العديد من التساؤلات، ويلقي تبعات المسؤولية كاملة على بلدية الكويت ووزارة المالية ومجلس حماية البيئة، الذي صمت، ولم يحرك ساكنا، لا قولاً أو لا إجراءً، أمام هذا التعدي الصارخ على القانون.

مجلس الأمة، كما قلنا مراراً، يطبل لإنجازات إصدار القوانين، ولكن مع كل أسف تظل مثل هذه القوانين مجمَّدة التنفيذ أمام «الكبار»، من دون تحرُّك أو مساءلة، وليس بالخفاء، ولكن جهاراً نهاراً.

*عنوان رواية لغابرييل غارسيا ماركيز

** عنوان رواية لمارغريت ميتشيل

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *