الرئيسية » قضايا وآراء » يوسف عباس شمساه : ثقافة التعايش السلمي

يوسف عباس شمساه : ثقافة التعايش السلمي

يوسف عباس شمساه
يوسف عباس شمساه

جرائم الإرهاب، التي لا تعرف طريقاً غير انتهاك حُرمة البشر، ولا تتغذى إلا على الأرواح الآدمية البريئة، لم توجد من فراغ، ولم تأخذ حيزها الواسع هذا بالتمدد والتغلغل بيننا، إلا وهناك مَن كرَّس حياته بتزويدها بوقود لا ينضب، نتيجة الفكر الخطير والمتطرف، وإعطائها صبغة دينية، لتكون أكثر قبولاً عند ذوي النفس الضعيفة، التي تسيطر العاطفة عنده على العقل، فتحول بذلك براءته إلى شبح سفاح لا يروي عطشه إلا دماء الناس ونحيب أقاربهم عليهم.

وفي كل مرة تقع فيها جريمة إرهابية، تتوجه أعين الناس للتحديق بالإصبع، من دون النظر إلى ما يشير، الذي غالبا ما يدلنا على الأرض التي حرثناها بأيدينا وزرعنا فيها بذور الفتنة الطائفية، فأنبتت ثماراً ظاهرها ناصع الجمال، وباطنها شديد الفساد والسواد، يجبر الأبناء على أكلها، كي تسير عجلتهم الحياتية ويتقدَّموا، وأعني بذلك مناهجنا الدراسية، التي تحمل اسم الإسلام والسلام، وسطورها تستهدف كل مكون يستظل بظل الإسلام.

ولا شك أن هناك كثيراً من الأمور تؤدي دوراً في نشر أفكار التعصب والتطرف، فالمناهج في مدارسنا لابد أن تتجنب الخوض في القضايا الطائفية، التي قد تتغذى عليها عقول الشباب، فقد أصبح كثير منا عند حدوث جريمة إرهابية يبحث عن مذهب ودين المقتول، كي يبدي رأيه بالاستنكار والشجب، أو الدعوة الحسنة للقاتل.

ولا ننسى أيضا القنوات الإعلامية، التي رأسمالها تفكيك المجتمع، وتخوين الناس، وتكفير المخالفين، وتوزيع مفاتيح أبواب الجنة، وهي للأسف الشديد تلقى رواجاً ومتابعة ليست بالقليلة، وأصبحت بين متناول الصغير قبل الكبير.

وما لا يفهمه كثير من الناس، هو أنهم ليسوا مطالبين بتبادل الحب مع من يختلفون معهم، أو التقرب منهم وتكوين العلاقات والروابط الاجتماعية، أو حتى مجاملتهم، بل المطلوب أن تسود ثقافة التعايش السلمي القائمة على تقبُّل الآخر، وأن التعدد والتنوع المجتمعي واقع لا مفر منه، فضلا عن التعامل مع كل هذا الاختلاف بوعي ومنطق، لتحقيق السلام في نفوس الناس، لكن مع هذا كله تبقى أكبر مخاوفي من هؤلاء الذين نتبادل معهم الابتسامات في كل أصبوحة، ونشارك معهم تفاصيل حياتنا، ونجلس معهم تحت سقف واحد، وقلبهم محمَّل بالغل والحقد علينا، وعقولهم مغسولة بأفكار الإرهاب والترهيب والقتل، ونظرتهم لنا أهداف رماية، فهم أكثر البشر تطبيقا للتعايش، وأكثرهم خطراً علينا، فاحذروهم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *