الرئيسية » آخر الأخبار » ندوة «العرب.. أزمة واقع أم أزمة فكر؟».. عبدالمجيد الشرفي: نعيش وضعا مأساويا.. والرهان على تبني مقتضيات العصر

ندوة «العرب.. أزمة واقع أم أزمة فكر؟».. عبدالمجيد الشرفي: نعيش وضعا مأساويا.. والرهان على تبني مقتضيات العصر

عبد المجيد الشرفي في الندوة
عبد المجيد الشرفي في الندوة

كتبت حنين أحمد:
استضافت الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية في الخالدية ندوة نظمها مركز تنوير للثقافة حول «العرب.. أزمة واقع أم أزمة فكر؟»، حاضر فيها المفكر التونسي د.عبدالمجيد الشرفي، الذي طرح في بداية حديثه مجموعة من الأسئلة:
أولاً، ما يتعلق بالعلاقة بين الواقع والفكر، وهل يمكن الفصل بينهما؟ وهل يمكن أن نحدد عناصر تتعلق بالواقع وأخرى تتعلق بالفكر، لأن العلاقة جدلية بينهما، والواقع يؤثر في الفكر بقدر ما يتأثر به والعكس؟، لذلك يجب علينا عدم وضع الأزمة في خانة الواقع أو الفكر، لأنهما مرتبطان.
وفي ما يلي تفاصيل المحاضرة:

اعتبر الشرفي أن الموضوع يطرح مصطلح الأزمة، وفيما إذا كان الواقع العربي يمرُّ بأزمة، أم أن القضية أعمق من ذلك بكثير، أي أنها ليست أزمة عابرة، وهذا ما يميز الواقع العربي من ناحية فكرية ومادية وثقافية.

وأشار إلى أن العرب يعيشون وضعاً مأساوياً أكثر من التحدث عن أزمة عابرة، ذلك أن الصعوبات التي يعرضها بنيوية، وليس من المتوقع التخلص منها بسهولة أو في المستقبل المنظور، محاولاً التذكير بالمعطيات المفيدة للإجابة عن سؤال أين سنتجه في ما بعد في الواقع العربي؟ وتتمثل هذه المعطيات في:

الخاصية الأولى: المنطقة العربية، وفق الأمم المتحدة، فيها أكبر الفوارق بين الأغنياء والفقراء.. ووفقاً لآخر الإحصائيات، فقد بلغ معدل دخل الفرد في مصر 1300 دولار، في حين يصل في قطر إلى 87 ألف دولار، وتبلغ الفوارق حدتها في المنطقة العربية، مقارنة بآسيا، وقد يكون ذلك عنصراً من المشاكل التي نتوقع أن المنطقة كلها تمر بها.
الخاصية الثانية: المنطقة العربية، وفق تقارير المنظمات الدولية، هي منطقة يسجل فيها أكبر خرق لحقوق الإنسان، ولاسيما حقوق المرأة، وهي المنطقة الوحيدة في العالم التي لا يحق فيها لامرأة أن تقود سيارة، بالإضافة إلى التمييز الذي يطول المرأة ومجموعات متعددة أخرى.
الخاصية الثالثة: هي المنطقة التي تسجل فيها نسبة أمية كبيرة، ولاسيما بين النساء والأطفال والرجال، وهذه النسبة بطبيعة الحال تكون عائقاً من عوائق التقدم.

إنتاج المعرفة

وأكد الشرفي أن المنطقة العربية لا تساهم البتة بإنتاج المعرفة، وهذا يمكن أن نتبينه، من خلال عدد من المؤشرات تتعلق بعدد براءات الاختراع التي يسجلها العرب كل سنة، وعدد الكتب التي تنشر كل سنة، وعدد القراء للكتب والصحف والمجلات، وبالنسبة المخصصة للبحث العلمي من ميزانية كل دول المنطقة.
وأشار إلى أن البحث العلمي هو المعيار النهائي بالنسبة لمدى تقدُّم الدول، لذلك «نحن مجتمعات استهلاكية، لا منتجة، وأغلب البضائع المتداولة مستوردة، نستهلكها ولا ننتجها، أي أننا مجتمع استهلاكي، وليس إنتاجيا، ولابد أن يكون فيه مشاكل تتجاوز ما يمكن وصفه بالأزمة».

أخطار تهدد المنطقة

وتوقف عند عدد من المؤشرات التي تبين مدى الأخطار التي تهدد المنطقة، واصفا إياها أنها بنيوية، وليست عابرة أو ظرفية، ولخصها كالتالي:
الواقع الجيواستراتيجي: نلاحظ أن هذه المنطقة لم تعرف الاستقرار منذ أكثر من قرن، والكيانات الموجودة فيها هشة، حيث نعيش في عصر الدولة الأمة، ولكننا بصفة عامة لم نستوعب ذهنياً أننا نعيش في نطاق الدولة الأمة، ويكفي أن نستمع إلى خطيب يوم الجمعة وهو يتحدث إلى مصليه، لكن في ذهنه لا يتحدث إلى أولئك المواطنين الذين ينتمون إلى نفس الدين والمذهب، بل إلى كل المسلمين المتجاوزين للحدود الجغرافية، وهذا ما نلاحظه من الفتاوى التي تصدر من المشايخ في كل الدول العربية، من دون استثناء، وجزء من المواطنين لم يستوعبوا الكيانات والأخطار التي تهددهم، لأن المصالح الإمبريالية كانت مهيمنة في القرن العشرين، وكانت هنا بريطانيا وفرنسا، واليوم أميركا وإسرائيل، لا تساعد على تمتين هذه الكيانات في شكل أمم.

الشذوذ الإسرائيلي

وبيَّن أن مصلحة الكيان الإسرائيلي، الذي يمثل نوعاً من الشذوذ قائما على أساطير وأيديولوجيا دينية تفرض أن تكون المنطقة كلها شبيهة به، أي مكونة من كيانات دينية وعرقية وإثنية، وبالتالي لا يصبح شذوذاً، بل قاعدة، وهذه الكيانات هشة، من خلال ما نسمعه من أخبار، «فلننظر إلى الحدود بين سوريا والعراق، والوضع في المنطقة الكردية بالنسبة للدول العربية».
وأوضح أن المسؤول عن ذلك ليس العرب، بل قوى تتجاوز الدول العربية، وهذا لا يقلل من مسؤوليتهم، إذا لم يكونوا واعين بما يترتب عليهم من خيارات.

النظام التعليمي منتج للجهل

وقال الشرفي: حين نتحدَّث عن الفكر من دون فصله عن هذا الواقع المأساوي المتشعب، فإننا لا نستطيع أن ننظر إلى الفكر من زوايا مختلفة.. فمن زاوية التربية والنظام التعليمي القائم في المنطقة، نرى أن مدرستنا قائمة على الحقد والتلقين، ومصنفة عالمياً في أسفل الترتيب، وهذا النظام التعليمي هو إنتاج للجهل في عصر العلم، إذ إن المدرسة لا تنتج علماء، إنما جهلاء يحسنون القراءة والكتابة، ولكن ذهنياً جهلاء، وهذا الجهل من أهم أسباب المشاكل التي تعيشها المنطقة، لأنه جهل مركَّب، والجهلاء يجهلون أنهم يجهلون، وحفظوا عدداً من المسلَّمات التي أصبحت بديهيات لا تقبل النقاش أو المساءلة، لهذا فإن المؤسسة التعليمية تنتج التعصب والانغلاق، وتعادي استقلال الشخصية في الفرد، التي هي أهم مقوم من مقومات المجتمعات الحديثة، وتعادي كذلك كل فكر نقدي، ولا يمكن لهذه الحالة أن تساعد على الإبداع والاكتشاف والمغامرة، وهي مدرسة بكل مستوياتها، تكرّس المحافظة على نظم عتيقة غفلها الزمن.

وأضاف «الطريقة التي تدرس بها اللغة العربية أو الفيزياء وغيرها تجعل التلميذ يأخذ معطيات على أنها حقائق دائمة وأزلية، ولا تعرفه المدرسة بتاريخ تلك اللغة وتطورها، وليس من المستغرب أن يكون زعماء الإسلام السياسي من الأطباء والمهندسين الذين درسوا الرياضيات بالطريقة التي تحدثنا عنها»، مبيناً أن الجهل الذي تنتجه مدارسنا يكمن في تلقين الطفل منذ نعومة أظافره، بأن الإسلام الذي تعلمه هو نفسه الإسلام منذ عهد النبوة إلى اليوم، لم يتبدَّل ولم يتغيَّر ولم يتطوَّر، وهذا يُعد خطأ شنيعاً، فالنص سليم، ولكن طريقة فهمه وتأويله هي الخاطئة، فهل يُعقل أن طريقة العيش لم تتأثر عبر التاريخ بالمعطيات التي عاشتها المجتمعات الإسلامية؟ وهل يجوز أن نخدع شبابنا بهذه الأمور الزائفة؟

منهج تاريخي

ورأى أن الأمر يتطلب تكويناً معيناً لإطار التعليم تتوخى منهجاً تاريخياً لنفسر به ما كان عليه وضع المسلمين في الماضي، وما آل إليه اليوم، فعندما ظهر الإسلام وانتشر في البداية بالجزيرة العربية، ثم بقية المناطق المحيطة لم يكن الصحابة والمسلمون الأوائل يفكرون بأي سلوك يسلكونه، هل هو سلوك إسلامي أم غير إسلامي، بل كانوا يتوخون مصلحة المجتمع الذي يعيشون فيه، موضحاً أن ما آل إليه وضع المسلمين آل إليه أتباع الديانات الأخرى في تاريخها.
ولفت إلى أنه في الماضي كانت الحاجة تقتضي 3 أمور أساسية، هي:

1- توحيد مظاهر السلوك والتمييز عن غير المسلمين في الطعام والشراب والأخلاق وغيرها.
2- توحيد العقائد، وهذه صعبة لا تتم إلا بالتدريج وبمرور الزمن وتختلف أهميتها من ديانة لأخرى، فبقدر ما هي محورية في المسيحية، هي أقل شأناً في الإسلام، ومن هذه العقائد التي أصبحت ملزمة، القول بعدالة الصحابة كلهم، والإيمان بالقدر، خيره وشره، وهي عقيدة يعانيها المسلمون، ليس لأنها خاطئة، بل لأنها تنفي الأسباب المباشرة، فالفقر له أسباب طبيعية يمكن معالجتها، وليس قدرا، وما يميز سلوكنا، أننا نمتنع عن البحث عن الأسباب المباشرة الطبيعية البشرية.
3- يمتنع الناس عن التفكير أن كل نظام ديني يقتضي قدراً أدنى من توحيد الطقوس، أي أن الطريقة التي تُؤدى بها العبادات لم تكن موحدة منذ البداية، وتوحيد الطقوس والعبادات تم بالتدريج، لكن نعلم أطفالنا أن الطريقة التي يصلون بها، مثلاً، كانت موجودة منذ القدم، وبعض مظاهر السلوك في العبادات تبدو خروجاً عن الإسلام، فطريقة وضع اليدين مرتبطة بمذهب، ولا علاقة لها بما كان قديماً في أداء الصلاة.

وبيَّن الشرفي أن توحيد السلوك والعادات والطقوس كان بسبب أن المؤسسات المجتمعية تاريخياً وحضارتنا كما حضارة الآخرين كانت بحاجة إلى مبررات دينية فوق البشرية، لذلك إلى اليوم لا نتصوَّر أن مؤسسة الأسرة، إنما هي مؤسسة تاريخية، وما زلنا نحتاج إلى مبررات دينية لها، ونعتقد أنها بديهية، كزواج ابن العم من ابنة عمه، بحجة أنه أمر طبيعي ومرغوب، بينما المسيحيون يعتبرون هكذا زواج معيباً، مشيراً إلى أن ذلك نتاج ممارسات تاريخية كانت تحتاج فيها المؤسسات المجتمعية إلى مبررات وشرعنة دينية.
وشدد على أن الحداثة أزالت القناع عن المبررات الدينية للمؤسسات المجتمعية، وكشفتها على حقيقتها، أي أنها مؤسسات بشرية تاريخية ونسبية.

ثورية فكرية ومعيشية

واعتبر أن ما نحتاجه اليوم ثورة لا تمس فقط الفكر، بل أيضاً تأثيرات الواقع المعيشي، ككل، أي أن ما كان ينظم هذه المؤسسات باسم الإرادة الإلهية لم يعد صالحاً اليوم، وكل الأحكام كانت صالحة لفترة تاريخية معينة، وعندما اكتشفنا أنها مؤسسات بشرية، بات من مسؤوليتنا التشريع لكل مظاهر الحياة.
وذكر أنه لو سألنا طلبة الجامعات العربية كلهم من هو أبوإسحاق إبراهيم النظّام، سيكون جوابهم واحداً وهو «لا نعرف من هو»، مع أنه شخصية ليست عادية أبداً، كاشفاً أن الإمام الشافعي هو مَن تحدث عن إسقاط الشرعنة الدينية على المؤسسات المجتمعية، وهو يشدد على أن كل ما نزل بمسلم فيه حكم لازم، وبأن كل ما يتعلق بشروط الحياة يجب أن يخضع لحكم من الأحكام الفقهية، وهذه نظرية كان يرفضها النظّام.
وذكر أن الرازي حفظ لنا عددا من الأحاديث التي كان يرفضها النظّام، ومنها مبدأ الإجماع، الذي هو من أصول الفقه، على اعتبار أنه لا أصل له، وهو يقول إنه لا مانع أن يكون التنظيم من خلال أمرين: الأول يكون بالرجوع إلى إمام معصوم، وهو من الرافضين لذلك.. أما الثاني، فيعتمد على نظام الحياة القائم على العقل، والنظّام كان يعتبر الأنظمة العلمانية التي تقوم عليها نظم الحياة المعاصرة ضرورة، إذا ما رفضنا الإمامة المعصومة.

مصلحة التيار الغالب

وأوضح أن تغييب النظّام، وهو علم من أعلام الفكر في تاريخ المسلمين، كان بسبب أنه محرج للضمير العادي، متسائلاً: هل يجوز للمدرسة وهل يجوز أخلاقياً وعلمياً تغييب كل الذين رفضوا السير في الاتجاه الديني؟، مشيراً إلى أن تغليب مصلحة التيار الغالب أحد أسباب المأساة التي نعيشها ونعيش تبعاتها السلبية والكارثية وتقبل ما كان عبر عنه الشافعي، حين ميَّز بين المكلفين بأنفسهم والمكلفين بأنفسهم وبغيرهم، أي أنه شرَّع الوساطة بين العبد وربه، فالمكلفون بأنفسهم هم عامة الناس، والمكلفون بأنفسهم وغيرهم هم العلماء، و»لكن اليوم لا يوجد لدينا علماء، بل فئة تدعي أنها كذلك».

علماء.. من دون علم

وأكد الشرفي أن مَن يدعون العلم اليوم غير قادرين على فهم الفلسفة التي تبناها المتكلمون المسلمون، كاشفاً أن المأساة تكمن في أن المقولات الفلسفية الرومانية تجاوزها الزمن، ووجدت مقولات أخرى لم يستوعبها العلماء، لأنهم حفظوا فقط بعض الآيات والأحاديث، ويكررونها ويفتون للناس، ويقبلون أن يكونوا الواسطة بين العبد وربه.

المواطنة

قال الشرفي إن فكرة المواطنة لم تترسخ بعد في أذهاننا بما تعنيه من المساواة بين كل الذين يعيشون تحت راية ورقعة جغرافية واحدة ويخضعون لنفس القوانين في كل المجالات، كاشفاً أن برلماناتنا ترفض أن تشرع في عدد من المواضيع، بدعوى أنها أحكام دينية إلهية، مع العلم أنها أخذت من الحداثة القشور فقط، لكن لا يمكنها أن تكرس المواطنة، كما هي مسؤولية الأفراد والمجتمعات في التشريع بكل أمور الحياة، محذرا من انه إذا لم يتبنّ الواعون من شعوبنا مقتضيات العصر الحديث، بما فيه من حرية ومسؤولية ومساواة بين الجنسين، فإننا سنواصل العيش في هذه المأساة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *