الرئيسية » قضايا وآراء » أسامة العبد الرحيم : الثورة الإيرانية تحت المجهر

أسامة العبد الرحيم : الثورة الإيرانية تحت المجهر

أسامة العبد الرحيم
أسامة العبد الرحيم

تعد إيران إحدى أكبر دول العالم التي تمتلك حضارة عظيمة بإرث تاريخي وثقافي وأدبي، وللشعب الكويتي علاقات صداقة جميلة وقرابة مع الشعب الإيراني، على مدى التاريخ، لكن مثلما انتقدنا الأنظمة العربية، بقوانينها القمعية، وكُنا مع حقوق الشعوب ومطالبها، فسننتقد النظام بالجمهورية الإسلامية في إيران، بكل موضوعية، بعيداً عن التعصب القومي أو التزمت الطائفي.

في الثورة الإيرانية عام 1979، التي قادها الحراك الجماهيري للطبقة العاملة، بالإضافة للطلائع اليسارية والفئات الشعبية، قبل أن يختطفها رجال الدين، كان للقوى اليسارية، متمثلة بحزب توده دور رئيس وفاعل في الثورة الإيرانية على الطاغية الشاه، الذي قتل الآلاف من العمال المتظاهرين ضده.. فبعدما برزت قوة البروليتاريا (الطبقة العاملة) كقوة فاعلة ومؤثرة في نجاح الاقتصاد الإيراني، ونمو المدخول النفطي، الذي أدَّى إلى ازدهار الصناعة، مع ارتفاع أسعار النفط عام 1973، قام بعد ذلك الشاه بحفر قبره بنفسه، بحرمانه الطبقة العاملة، التي ازدادت قوتها من العديد من الحقوق والمكتسبات، واتجه إلى خفض رواتبهم ووقف التنمية، فبدأت العديد من الإضرابات العمالية والمواجهات الأمنية ضدها، التي راح ضحيتها الآلاف، ما زاد من وتيرة الغضب الشعبي، فخرجت أضعاف أعداد الإضرابات السابقة، تضامناً مع رفاقهم الذين قُتِلوا.. ومع ازدياد السخط، دخلت شرائح جديدة للنضال، كالمدرسين والأطباء وغيرهم، وتحوَّلت المطالب الاقتصادية إلى سياسية، ونددوا بشعارات تطالب بسقوط الشاه والإمبريالية الأميركية.

إن الأساس المادي للثورة الإيرانية يكمن في تطوُّر قوى الإنتاج، والتغيُّرات التي كانت قد حصلت في الرأسمالية الإيرانية، فمن الضروري تحليل المحتوى الطبقي للثورة، فلم يكن بإمكان رجال الدين الوصول إلى السلطة،من دون قيادة الحركة العمالية المؤثرة في اقتصاد البلاد، التي قطعت شريان الدولة، والدليل على ذلك ما حدث عام 1963، عندما قادت القوى الأصولية وكسبت بعض الجماهير المضطهدة وغير الواعية، إلا أنها فشلت بالإطاحة بالحكم، وبعد هزيمتهم أقاموا تسوية مع النظام وخانوا الثورة.

إن التركيبة المعقدة للمجتمع الإيراني، بفئاته المتعددة، جعلت الفلاحين والعمال والفئات الشعبية ضعيفة الوعي، ما أدَّى إلى ركوب العمائم على الثورة، فضاعت السلطة من أيدي الحركات العمالية والشعبية الذين أشعلوا الثورة، ثم استولى عليها رجال الدين، لتحقيق أهدافهم ومصالحهم، ولم يكتفوا بخطف الثورة، بل خنقوا وسحقوا الحركات العمالية، بكل وحشية، وتمَّت عملية التصفية التدريجية لرجال الثورة، من علماء دين ومثقفين، والغريب أيضاً أنها أعدمت كوادر حزب توده، وتم نفيه خارج إيران، على الرغم من دوره الأساسي في قيام الثورة الإيرانية على الشاه، الذي كان يصف من قام بالثورة عليه بالشيوعيين العملاء، وأيضاً خوف أميركا من ظهور حزب ماركسي حاكم يُعاديها.

إن تصدي السلطة الدينية في إيران لكل مَن كان حليفا لها في معارضة الشاه، ومن أشعل فتيل الثورة، دليل على ابتعادها لمطالب الثورة الرئيسة من ديمقراطية وحرية وعدالة اجتماعية.

فقد ظهرت في السنوات الأخيرة عدة أحداث تبيّن حقيقة وقسوة السلطة الدينية في إيران، وما انتخابات 2009 وما نتج عنها من سخط الشعب الإيراني وبروز المعارضة السياسية التي تظاهرت، إلا أن قُمعت قمعاً شديداً مخلفة ضحايا لبعض الحقوقيين والمدنيين ومنهم النساء، وسط تكتم إعلامي حولها، وما تلاها من أساليب غير إنسانية من ميليشيا الباسيج (الشرطة الدينية في إيران)، كحرق وجوه بعض النساء، بحجة عدم التزامهن باللبس الشرعي، وإعدام جائر بحق امرأة عفيفة حاول رجل أمن اغتصابها، وقمع الأهواز، وما حدث أخيرا من انتحار فتاة حاولت الهروب من رجل أمن أراد اغتصابها، ما أشعل غضب الشعب الإيراني.

يجب أن نستفيد من تلك التجارب، بأن الظلم والقمع لا دين لهما ولا فكر، فالدكتاتوريات، سواء في الأنظمة العلمانية، كالشاه في إيران، أو الأنظمة الدينية التي تستغل المذاهب بالتأثير على عواطف الناس وفق مصالح سياسية أو اقتصادية يحددها موقعها الجغرافي.

وفي النهاية، تمنياتي للشعوب في الوطن العربي، وإيران، والعالم أجمع بمزيد من الحرية والعدالة الاجتماعية، فلا تقدُّم من دون نضال، ولا نضال من دون تضحيات.
«مشكلتنا في الثورات، أننا نطيح الحاكم، ونُبقي مَن صنعوا ديكتاتوريته، لهذا لا تنجح أغلب الثورات، لأننا نُغيّر الظالم، ولا نُغيّر الظُلم».. علي شريعتي

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *