الرئيسية » آخر الأخبار » الوجهة الفكرية للحركة الوطنية الكويتية (4) :انتهاء الحرب الباردة بين القطبين أدت إلى «تهاوي الأيديولوجيا»

الوجهة الفكرية للحركة الوطنية الكويتية (4) :انتهاء الحرب الباردة بين القطبين أدت إلى «تهاوي الأيديولوجيا»

لثورة الاشتراكية
لثورة الاشتراكية

كتب د.عبدالله الجسمي:
انتهيت من هذه الدراسة منذ ما يقارب العام ونصف العام، لكن حالت كثرة الانشغالات عن نشرها في وقت مبكر.. ومع إعادة قراءتها أخيرا، وطلب الرأي من بعض الشخصيات الوطنية والثقافية، الذين أبدوا، مشكورين، عدداً من الملاحظات عليها، إلا أنني اكتفيت بملاحظات محدودة جداً لم تمس النص الأصلي.

وعلى الرغم من أن الدراسة تتحدَّث عن الحركة الوطنية الكويتية، وواقع المجتمع الكويتي، فإن هناك الكثير من أفكارها يتماشى مع الواقع السائد في المجتمع العربي، وإشكالياته السياسية والفكرية والثقافية، فالكويت جزء من الوطن العربي، وما يجرى فيه ينعكس عليها، نظراً للتشابه الكبير في الواقع الاجتماعي والثقافي.

وتتضمَّن الدراسة انتقادات للطريقة التي فُهم بها مفهوم «القومية» في الفترة التي ازدهرت فيها الحركة القومية العربية، وكذلك انتقادات للأيديولوجية بشكل عام، وآمل ألا يُقابل ذلك بردّ انفعالي أو عاطفي، لمن يرغب في الرد، إن وجد، على مضمون الدراسة، بل المطلوب رد عقلاني ومتجرد من الأهواء والعواطف والأدلجة، حتى يمكن الوصول إلى تصوُّرات وأفكار أفضل، لمصلحة التيار الوطني والمنتمين إليه. في الجزء الرابع من دراسته النقدية، يتطرَّق د.عبدالله الجسمي إلى قضية في غاية الأهمية، كان لها تأثير مباشر، وهي «الأيديولوجيا»، متناولا الأبعاد التاريخية لها وتطوراتها، وصولا إلى وضعيتها الحالية و«تهاويها».

تمثل الأيديولوجيا بُعداً فكرياً آخر للقوى السياسية في الوطن العربي، وغيره، التي سادت فترة طويلة من الزمن خلال القرن المنصرم، وقد تهاوت مع انهيار الأنظمة الاشتراكية وانتهاء ما كان يُعرف بالحرب الباردة، التي مثلت صراع القطبين العالميين؛ الاتحاد السوفييتي وحلفاءه والولايات المتحدة وحلفاءها، ويقتضي ما جرى قبل أكثر من عقدين فهماً متعمقاً للأسباب التي أدت لتهاوي الأيديولوجيا، ليس ما يتعلق بالماركسية فقط، ولكن بشكل عام، وكيف يمكن استيعاب الدروس الناتجة عن ذلك، ويستدعي ذلك لمحة تاريخية عن الأسباب التي تقف وراء ذلك.

 د.عبدالله الجسمي
د.عبدالله الجسمي

نظرة فلسفية

بنظرة تاريخية سريعة لتطور الفكر الفلسفي في القرن التاسع عشر، نجد أن المذاهب الشمولية قد وصلت إلى ذروتها فيه، حيث ازدهرت أفكار الفيلسوف الألماني «هيغل»، الذي مثلت أفكاره علامة بارزة، وأثرت تأثيراً عميقاً في فلاسفة القرن التاسع عشر، وكان أبرز من تأثر بأفكاره الفيلسوف الألماني كارل ماركس، الذي أخذ الإطار العام لفلسفة هيغل، لكن أقامه على أسس مادية.

ومثلت الماركسية فكراً أيديولوجياً لاقى اهتماما كبيرا منذ نهاية القرن الـ 19 وحتى نهاية القرن الـ20، وعلى الرغم من انتشار فلسفة هيغل، حتى في الدول الأنجلوسكسونية، فإن الثورة ضده بدأت مع نهايات القرن التاسع عشر على يد بعض الفلاسفة أمثال فريدريك نيتشه وسورين كيركيجارد واتجاهات فلسفية أخرى، كالاتجاهين؛ البراجماتي والتحليلي في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.

فقد ثار هؤلاء على المذاهب الفلسفية الشمولية، وأخذت الفلسفة مع بداية القرن العشرين منحى جديداً تمثل في الواقعية الجديدة، والابتعاد عن التجريد والكليات والتعامل مع الوقائع الجزئية، وأدَّى ذلك إلى ازدهار الاتجاهات الفلسفية المضادة للمثالية في معظم أنحاء العالم الغربي.

لكن، مع الثورة البلشفية في العقد الثاني من القرن العشرين، عادت الأيديولوجيا للبروز، بعد قيام روسيا الجديدة على أسس أيديولوجية تجلت في «السوفيتات» التي تقوم على الاشتراكية وديكتاتورية البروليتارية، ما أنعش الأيديولوجيا من جديد وانتشرت الماركسية وأنماط أخرى من الاشتراكية في العالم.

وانتشار الأيديولوجيا الاشتراكية لم يكن انتشاراً فكرياً محضاً، بل إنه سياسي لقيام تقريباً ثلث أنظمة العالم في القرن العشرين على الأيديولوجيا الماركسية، ومع انهيار تلك الأنظمة في العقد الأخير من القرن الماضي تهاوت الأفكار الأيديولوجية، فالفهم العقائدي للماركسية كان يسير عكس تيار الفكر الفلسفي المعاصر.

● ماركس
ماركس

سؤال وإجابة

إن تهاوي الأيديولوجيا يعني في أساسه تهاوي المذاهب الفكرية والأنظمة السياسية الشمولية ذات اللون الواحد، حيث تنظر الأحزاب ذات الطابع الأيديولوجي للواقع من منظور واحد، وتشكله بناءً عليه، وهذا يقودنا لفهم طبيعة المرحلة الحالية التي يمر بها العالم، ولماذا لا تصلح الأيديولوجيا أن تكون أساساً لتحديد هوية حزب ما أو تيار سياسي؟

إن دول العالم اليوم تقوم على التعددية، كأساس للنظام السياسي، وتتسم سياساتها بالواقعية، وتستند إلى الأفكار القابلة للتحقق، وتهاوي الأيديولوجيا الذي حدث منذ أكثر من عقدين، كان نتيجة طبيعية للتقدم الحضاري الذي وصلت إليه البشرية في مجالات الفكر والعلم والتكنولوجيا، فالواقع السياسي والثقافي والفكري لعالم اليوم لم يعد يقوم على أو يستوعب الأيديولوجيا، لاستحالة تفسير كل ما يجري في العالم من منظور أيديولوجي أو فكري واحد، فالعالم متعدد ومتنوع ولا مكان للنظر لمشكلاته وقضاياه وتفسيره من عنصر أو مبدأ واحد.

وإذا اعتبرنا أنفسنا جزءاً من هذا العالم، وما جرى فيه، وفي ظل العولمة وطابعها الثقافي العام، أيضاً، فإن الارتكاز على الأيديولوجيا كوجهة فكرية للحركة الوطنية الكويتية أو حتى لتنظيم أو حزب سياسي بعينه سيكون خطأً جسيماً، لأسباب تتعلق بالواقع الاجتماعي والسياسي المحلي، وكذلك لأسباب فكرية عن الأيديولوجيا نفسها.

الواقع الكويتي

إذا تمعَّنا في واقع المجتمع الكويتي، سنجد عدة معوقات فعلية تقف أمام ليس انتشار الأيديولوجيا، بل وحتى العديد من الأفكار السياسية الحديثة الأخرى، كالديمقراطية، مثلاً، بشكل سليم.

فالأيديولوجيا نتاج لفكر فلسفي وسياسي غربي، ويعكس ذلك الواقع بما فيه من تطورات مادية وثقافية وفكرية وحضارية سار فيها المجتمع الأوروبي، تحديداً، بعملية التحديث، التي ما لبثت أن انتشرت في بقاع أخرى من العالم اتبعت نفس النظم السياسية والاقتصادية، وبذلك قد تصلح الأيديولوجيا للواقع والنظم الفكرية والسياسية التي تعبر عن واقعها، ومحاولة تطبيق الأيديولوجيا أو إلباسها واقعاً غير واقعها سيصطدم بعقبات عدة ينتهي بها المطاف لأن تكون أداة تنظيرية لا تحليلية لواقعنا، سواء في الكويت أو العالم العربي، وسيعيش مَن يحاول أن يطبقها حالة من الفصام مع الواقع، فما يتحدث عنه شيء، وما يجري في الواقع شيء آخر.

ومن جانب آخر، تصطدم الأيديولوجيا، وغيرها من أفكار أو مفاهيم سياسية أخرى، بعقبة الثقافة الدارجة في المجتمع، التي تقف حجرة عثرة أمام انتشار المفاهيم والأفكار المدنية الحديثة.

فالثقافة الدارجة في المجتمع الكويتي تقوم على أسس اجتماعية أو طائفية، وطرق تفكير غير عصرية لا تخلو بعض مظاهرها من الخرافة والشعوذة، علاوة على سيادة النمط إلغائي من التفكير، وغياب التفكير العلمي والعقلاني والمنهجي عنها، فالثقافة السائدة في أي مجتمع تكون الحاضنة للفكر الذي يسود فيه، أو ينتج عنه، وفي حال مجتمعنا والمجتمع العربي بشكل عام لا تساعد الثقافة السائدة فيه على احتضان الفكر أو إنتاجه، فهي ثقافة قائمة على المسلَّمات والبديهيات، التي لا تناقش وتقوم على يقين ذاتي لا مجال للشك فيه، ويتم الإيمان بقيمها أو مذاهبها عن طريق التوارث بين الأجيال، كما أنها في حقيقة الأمر تصطدم بالجوانب الحقوقية للإنسان وفكرة العدالة والمساواة، وغيرها من مفاهيم إنسانية، نتيجة لطابعها الإقصائي وسيادة المفاهيم العنصرية والفئوية فيها، وعليه فالبيئة الثقافية الحالية غير قادرة على استيعاب الأفكار الحديثة من شرائح وفئات واسعة من المجتمع.

بنية المجتمع

وهناك مسألة أخرى في غاية الأهمية تحول دون الأخذ بالأيديولوجيات المعروفة، هذا إذا سلمنا بصلاحية تبنى أيديولوجية ما، تتعلق في بنية المجتمع الكويتي الاقتصادية التي ينتج عنها السلوك السياسي والاجتماعي والثقافي.

يُعد نظام الكويت الاقتصادي فريداً من نوعه، فهو ليس نظاماً رأسمالياً منتجاً، ولا إقطاعياً، ولا يوجد فرز طبقي واضح وحاد، ولا وجود لطبقة عاملة حقيقية، فهي دولة «تبيع» النفط، وتصرف دخله على مواطنيها، الذين يعمل معظمهم في القطاع الإداري الحكومي.

فالكويت دولة ريعية، يعيش عليها المواطن في كل شيء تقريباً، ولا يقابل نظامها الاقتصادي أياً من الأنظمة التي تتحدث عنها الأيديولوجيات المعروفة، وبالتالي، فالكويت دولة لا تقوم على اقتصاد صناعي منتج، بل دولة تبيع البترول، وتعيد صرف مدخوله بطريقة استهلاكية بحتة، ويستخدم في الكثير من الأحيان كأداة للوصول إلى أهداف سياسية.

هناك إذاً عوامل عدة تجعل من الصعوبة بمكان إلباس الواقع الكويتي فكراً أيديولوجياً، نتيجة لاختلاف واقع المجتمع الكويتي عن المجتمعات المتقدمة، علمياً وفكرياً وثقافياً وصناعياً، وعدم وجود بنية اقتصادية حقيقية تنقسم بناءً عليها فئات المجتمع، علاوة على الثقافة الدارجة التي لا تساعد على انتشار الأفكار المدنية الحديثة عند غالبية شرائح المجتمع.

خلل أيديولوجي

والمسألة لا تقتصر على واقع المجتمع الكويتي، بل هناك خلل فكري واضح في الأيديولوجيا نفسها، أدَّى إلى التراجع الكبير الذي شهدناه خلال العقدين الأخيرين على مستوى العالم، فالأيديولوجيا عبارة عن نظام فكري مجرَّد وغير واقعي، وهي منظومة من الأفكار المتسقة بشكل منطقي عقلي مجرد، يقوم مَن يتبناها بتفسير الواقع الذي نعيشه وتنميطه بناءً عليها، أو تشكيله وفق النظام العقلي المجرَّد الذي تتضمنه، أي مَن يحمل الأيديولوجيا يتعامل مع الواقع بما يجب أن يكون وليس بما هو موجود أو كائن، والتعامل معه يأتي من جوانب عقلية مجردة لا واقعية، أي من خارج الواقع لا من داخله، وهذا يؤدي بالنهاية إلى إحداث قطيعة مع الواقع القائم، وخلق واقع ذهني آخر جديد يُقام بناءً على ما تتضمنه الأيديولوجيا من أفكار نظرية.

وتتسم الأيديولوجيا بالطابع الشمولي، الذي يشمل بنية المجتمع، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية، بطريقة يقسم فيها المجتمع بشكل حاد إلى فئتين، تتصارع أيديولوجياً في ما بينها، وهي أيضاً نظام فكري مغلق يقوم على يقين ذاتي صرف، ومسلَّمات بديهية تنطلق منها كأساس لبناء النظام الفكري لأي اتجاه أيديولوجي، ويقود ذلك إلى النظر للواقع من جانب واحد فقط، أي تؤدي إلى احتكار الحقيقة، التي يُنظر إليها على أنها مترابطة مع حقائق أخرى، وتشكل وحدة عضوية من المفترض أنها تتخلل الواقع وتربطه برباط عضوي.

واحتكار الحقيقة، بلا شك، يؤدي إلى التطرُّف أو مفاهيم شبيهة بالأصولية وإقصاء الآخر، ورفض الاختلاف والتسلط الفكري وإلى آخره من مظاهر أخرى لا تشجع على الحوار والاختلاف، يُضاف إلى ذلك، أن التحليل الأيديولوجي يتضمَّن في الواقع أحكاما وتفسيرات جاهزة ومسبقة وقطعية في الوقت نفسه.. فنظراً لانطلاق الأيديولوجيا من أفكار نظرية بحتة، فهى لا تحتاج إلى تجارب عملية، حتى يتم الوصول من خلالها إلى نتائج معينة، وهذا يمثل إشكالية حقيقية لعدم واقعية الأيديولوجيا.
إن التفسيرات والحلول الجاهزة لا تعبر بالفعل عن الواقع، ولا تكون نتاجاً لتجارب أو إجراءات واقعية، بل تمثل محاولة لوضع الواقع، في إطار نظري عقلي قبلي، وهو فعلياً ليس كذلك، وبالتالي ينتج عنها أن يكون الواقع في وادٍ، والتبريرات النظرية في وادٍ آخر، كما يتميَّز الخطاب الأيديولوجي بالقطعية والتكرار، فالأحكام التي يُطلقها المؤدلجون قطعية ناتجة عن قوالب فكرية نظرية مغلقة، والمصطلحات المستخدمة فيها تتسم بالتكرار، وذات عدد محدود، وتستخدم لتفسير العالم، وما يجري فيه بطريقة أشبه بالاجترار.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *