الرئيسية » قضايا وآراء » عبدالله النيباري : نقاط أساسية في النطق السامي

عبدالله النيباري : نقاط أساسية في النطق السامي

عبدالله النيباري«أمير الكويت يوبخ المجلس والحكومة».. هكذا جاء في جريدة الشرق الاوسط في مانشيت بارز, تعليقاً على جلسة مجلس الامة 25/10/2011 ووصفت ما جاء في النطق السامي بانه واحد من أكثر المواقف شدة حيال الاحداث الداخلية والسجالات السياسية بين البرلمان والحكومة التي شهدتها الكويت أخيراً، إذ وجه أمير الكويت توبيخا شديداً لمجلس الأمة والحكومة.

هذا ما جاء في جريدة الشرق الاوسط، واعتقد انه وصف صحيح، فالتقريع الذي جاء في النطق السامي كان حادا بشكل غير مسبوق.

فقد تضمن النطق السامي امتعاضاً من الممارسات التي تثير العصبيات القبلية والطائفية والفئوية البغيضة، وعزف البعض على أوتارها لتحقيق المكاسب الضيقة، وسعيهم لان تكون مؤسساتنا التعليمية والاجتماعية والرياضية مرتعا لهذه العصبيات، وتغذية الشباب بهذه المفاهيم المدمرة.وعبر الخطاب عن الاستياء الشديد من أجواء التأزيم السياسي والنزاع المستمر بين المجلس والحكومة، وتأسف لانحدار لغة الخطاب السياسي، وللتراشق والتشكيك بغير دليل، كالاتهام بالفساد والرشوة والخيانة، والعمالة الى آخر الألفاظ النابية، واستغرب تنادي البعض ممن يستطيع أن يطرح ما يعن له في اطار المجلس الى تجاوز المؤسسة الدستورية وعقد التجمعات في الشوارع والساحات, وافتعال الشحن والإثارة بما يعود بالضرر والخسارة على الجميع.

كما طال الخطاب بالتقريع وسائل الاعلام، واصفا دأب الكثير منها دون بعضها على صب الزيت على نار الفتن لتزيدها اشتعالا، وتنفخ في اتون التأزيم والبغضاء، لاهثة وراء الاثارة وتأجيج الصراعات وافتعال العداوات مع الآخرين، جاهدة وراء زيارة الانتشار بأي ثمن بعيدا عن مصلحة الوطن والمواطنين.

واستنكر الخطاب انشغال البعض بالهدم بدلا من البناء، وبالهجوم الشخصي بدلا من التعاون من أجل الكويت، ونبّه الخطاب الى الحاجة الى نبذ الخلافات والالتفات الى مشاريع البناء، والى ما يجري من حولنا من أحداث خطيرة وحروب دامية، ومستجدات كبيرة ومشاكل اقتصادية كبرى، محذرا من تأثيرها البالغ على أمننا الوطني ومصالحنا العليا.

قد يكون ما جاء في النطق السامي مسائل وقضايا سبق أن نبه اليها أمير البلاد في مناسبات عدة، لكن الجديد انه هذه المرة تطرق اليها بشكل حاد، وربما عنيف، وهو ما يعكس المدى الذي بلغه ضيق سموه لتردي أحوال البلد والعبث الذي تتسم به ممارسات ابنائه، وجاء الخطاب هذه المرة صريحا ومباشرا ومن دون تغليف النقد بأي عبارات تجميلية.

ولا شك ان معظم الكويتيين، إن لم نقل كلهم، يشاركون أمير البلاد تشخيصه لحالتنا والتعبير عن الضيق من استمرارها.

ولم يتطرق الخطاب الى قضية الايداعات المليونية التي أثارت غضب الناس، ولا الى التحويلات عبر وزارة الخارجية التي تثير التساؤلات والشكوك، ربما لأن طبيعة الخطاب الذي يلتزم الايجاز لم يوغل في التفاصيل، وربما لأن الأمر متروك للتحقيق أمام النيابة او المجلس.

ولو انزلنا عبارات الخطاب على الواقع فماذا نجد؟

أولا: ما من شك أن مؤسسة الحكم لا تستحسن التجمعات الشعبية في الشوارع والساحات، وهذا يعود الى طبيعة الذهنية المحافظة من ناحية، ولان التجمعات يغلب عليها الحماس والانفعال، وأحيانا المزايدات ورفع سقف الشعارات والمطالبات من ناحية ثانية، ولكن ذلك ناتج عن طبيعة المجتمع الكويتي غير المنظم الذي، برغم وجود مؤسسات المجتمع المدني، من جمعيات ونقابات، تظل العفوية هي الغالبة في غياب سيطرة الجماعات المنظمة، ومع ذلك فإن البعض قد يتضايق من حدة الطرح لكن يجب ان نلحظ ان هذه التجمعات حتى الان سلمية، ولم يحدث ان صدر عنها اي تعد على الممتلكات الخاصة والعامة، ولا اعاقة سير الحياة الطبيعي، وممارسة التجمع والتظاهر حق للمواطنين بموجب القانون والدستور قد يتضايق البعض منه، لكن لا ضير منه مادام سلمياً.

ثانيا: نأتي للممارسات الطائفية والقبلية والفئوية، وهي أمر ينبغي الاعتراف بانه اصبح ظاهرة طاغية في حياتنا السياسية والاجتماعية، واصبحت مؤثراً بارزاًَ في الانتخابات، بل وفي اعمال القطاع العام، وأصبحت نمطا في تشكيل الحكومات، وهو أمر استحدثته منظمة الحكم. وطغيان الاصطفاف الطائفي ليس في المجال السياسي فقط فقط ولكن في شتى المناحي، يعود الى ظهور تيارات الاسلام السياسي، فما دامت الايديولوجية دينية، فبالتأكيد انها ترتد الى المذهب والطائفة، واما الاصطفاف القبلي، فهو من افرازات الوضع الاجتماعي، وتعمق بسبب النظام الانتخابي وفتح الابواب امام الواسطات والخدمات بسبب ضعف قيادات الجهاز الاداري وانفراط ضوابطه، وهذا امر تُسأل عنه الحكومة او الحكومات المتعاقبة، فماذا عملت الحكومات لاطفاء لهيب هذا الاصطفاف والحد من آثاره السلبية على ادارة اجهزة الدولة وعلى الحياة السياسية؟

ثالثا: أما الانحدار في لغة الخطاب السياسي، فهو أمر أصبح شائعاً في جلسات مجلس الامة، والسجال حاداً لدرجة الاشتباك او توجيه الاتهامات بلا دليل، وما كان لافتاً للنظر انه ما كاد صاحب السمو يغادر الجلسة حتى بادر البعض بممارسة ما استهجنه سموه قبل ساعة، احدهم انطلق لسانه ليقول (احط الجـ….) وآخر يتهم زملاء له بانهم عملاء دولة اخرى منحتهم اراضي ومصالح.. هؤلاء النواب الذين تكررت منهم ألفاظ السباب والشتائم والمعايرة بالانساب وكأننا في الجاهلية، هم نواب الحكومة، فكل واحد منهم محسوب على شيخ، ومعروف عنهم تمتعهم بالحظوة لدى القيادات السياسية، لدرجة انه يقال بأن من يريد ان يعين في وظيفة او ترقية، او يطلب سياحة علاجية ما عليه الا ان يذهب الى ديوان احدهم، ومما لا شك فيه لو ان الشيوخ تخلوا عنهم لحصل نوع من الترويض لهذه التصرفات الجانحة التي طال تجنيها أعضاء وقيادات إدارية بل حتى الوزراء الذين شتموا وأهينوا علنا وأمام سمع وبصر القيادات السياسية ومع ذلك كوفئوا بدلاً ان يردعوا.

رابعاً: نأتي في نهاية المطاف الى الاعلام من جرائد وقنوات فضائية، وما اشار اليها الخطاب صحيح مائة في المائة، فالخطاب الاعلامي في صحافتنا وقنواتنا الفضائية، ما عدا القليل كما اشار الخطاب، نمطها ينحو الى التأجيج والشحن والتعدي على الناس من دون وجه حق.

ولو فحصنا وضع مؤسسات الاعلام فماذا نجد؟

في الكويت تصدر 15 جريدة عدد قليل منها، اربع او خمس، تصنف بأنها مستقلة، وست جرائد يصدرها شيوخ أو ممولة منهم، وأربع او خمس تصنف انها تابعة أو موالية.

والشيء نفسه ينطبق علىالقنوات الفضائية، فمن بين ست قنوات هناك واحدة او اثنتان تعتبران مسقلتين، واربع اما ممولة من الشيوخ او موالية.

بناء على هذا التشخيص، يتحمل ابناء اسرة الحكم مسؤولية كبيرة في الانحدار والتدهور والسجال والشحن التي تشوب حياتنا السياسية، وهم بتصرفاتهم لا يستجيبون لنداءات صاحب السمو المتكررة. ولا يساعدونه في تحقيق رؤياه لتطهير الكويت من الآفات التي تعتريها.

وبطبيعة الحال، نحن لا نبرئ ابناء الشعب اينما كانت مواقعهم، سواء كانوا نوابا أو وزراء او أفراداً يشاركون في التجمعات. ولكن مسؤوليتهم لا تتساوى مع من هو في المراكز المسؤولة المؤثرة في صنع القرار.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *