الرئيسية » آخر الأخبار » الوجهة الفكرية للحركة الوطنية الكويتية (3): الثقافة العربية متعددة الاتجاهات

الوجهة الفكرية للحركة الوطنية الكويتية (3): الثقافة العربية متعددة الاتجاهات

تظاهرات عربية
تظاهرات عربية

كتب د.عبدالله الجسمي:
انتهيت من هذه الدراسة منذ ما يقارب العام ونصف العام، لكن حالت كثرة الانشغالات عن نشرها في وقت مبكر.. ومع إعادة قراءتها أخيرا، وطلب الرأي من بعض الشخصيات الوطنية والثقافية، الذين أبدوا، مشكورين، عدداً من الملاحظات عليها، إلا أنني اكتفيت بملاحظات محدودة جداً لم تمس النص الأصلي.

وعلى الرغم من أن الدراسة تتحدَّث عن الحركة الوطنية الكويتية، وواقع المجتمع الكويتي، فإن هناك الكثير من أفكارها يتماشى مع الواقع السائد في المجتمع العربي، وإشكالياته السياسية والفكرية والثقافية، فالكويت جزء من الوطن العربي، وما يجرى فيه ينعكس عليها، نظراً للتشابه الكبير في الواقع الاجتماعي والثقافي.
وتتضمَّن الدراسة انتقادات للطريقة التي فُهم بها مفهوم «القومية» في الفترة التي ازدهرت فيها الحركة القومية العربية، وكذلك انتقادات للأيديولوجية بشكل عام، وآمل ألا يُقابل ذلك بردّ انفعالي أو عاطفي، لمن يرغب في الرد، إن وجد، على مضمون الدراسة، بل المطلوب رد عقلاني ومتجرد من الأهواء والعواطف والأدلجة، حتى يمكن الوصول إلى تصوُّرات وأفكار أفضل، لمصلحة التيار الوطني والمنتمين إليه. يواصل د.عبدالله الجسمي في الحلقة الثالثة من دراسته، الحديث حول مفهومي الهوية والقومية، ويطرح العديد من الأفكار والملاحظات حولها.

هناك مسألة أخرى ذات طابع قيمي، لم تتوافر سابقاً، ولا أعتقد أنها يمكن أن تحدث في المستقبل المنظور، وكان يمكنها أن تمثل سنداً حقيقياً لفكرة القومية العربية ونقطة أو نقاط ارتكاز لها، كي تتجذر في المجتمع، وهي المتمثلة في غياب ثقافة عربية واحدة، وكذلك هوية عربية واحدة أيضاً.

فالوطن العربي تتخلله ثقافات عدة تتبناها مكوناته المختلفة، فهناك ثقافة ريفية وقبلية وحضرية وعرقية، يغلب عليها الجانب الاجتماعي، كأساس للثقافة، ومعظم الثقافات السائدة فيه لا تزال تعبر عن علاقة الإنسان مع الطبيعة، أي الثقافات السابقة للمجتمع المدني الحديث.. وعلى الرغم من التغييرات التي حدثت في التوسع الحضري والمدني وانتقال مجموعات من الشرائح المختلفة من بيئتها للعيش فيه، فإنه لم تحدث تغيرات تذكر في ثقافة تلك المجاميع، بل ربما جاءت بنتائج عكسية، تمثلت في نشر تلك الثقافات التقليدية، وتراجع ثقافة المدينة، التي كانت متقدمة على تلك الثقافات في بعض المدن.

د.عبدالله الجسمي
د.عبدالله الجسمي

ثقافة سلبية

ولا يفوت أن نذكر أنه، وفي الكثير من الأحيان، يكون التعدد والتنوع الثقافي عنصر ثراء، وليس أمراً سلبياً، لكن التعدد الثقافي في معظم أقطار الدول العربية كان عامل تفرقة، لا وحدة نتيجة للانغلاق الثقافي ومظاهر التطرف والتزمت والتعصب وينتهي الأمر إلى الإقصاء وإلغاء الآخر.

نحن إذاً في حالة من التشظي الثقافي العربي، فلا توجد هناك ثقافة عربية واحدة، بل ثقافات مختلفة، تتصارع في بعض الأحيان في ما بينها وتدخل في حال من الفرقة والسجال الاجتماعي والسياسي، ولا يوجد بالأفق ما يوحي باندماج تلك الثقافات ضمن ثقافة واحدة تعبر عن العروبة ينصهر فيها الجميع، من المحيط إلى الخليج، وتحمل قيماً واحدة تعكس عملية التحديث الجارية في العديد من المجتمعات العربية.

وينسحب هذا الأمر على مسألة «الهوية»، فعدم وجود ثقافة عربية واحدة ينتج عنه غياب «الهوية» الواحدة للارتباط الوثيق، من وجهة نظري، بين الثقافة والهوية التي توحد قيم ومفاهيم الشعب العربي، وتمهد الطريق لمفهوم القومية على أرضية صلبة، لا تتنازعه الأفكار أو المؤثرات الخارجية.

وبنظرة واقعية ومتجردة للواقع العربي، نجد أن التعدد الثقافي وتجذر الإقليمية أو القطرية يحولان دون وجود هوية عربية واحدة يندمج فيها أبناء الشعب العربي، فاليوم من دون شك توجد هويات ذات طابع إقليمي أو قطري، خلفت حالة من الانقسام والتفرقة بين مكونات الشعب العربي، وتجذرت في بعض الأقطار العربية لدرجة أصبحت عقبة فعلية أمام أي نوع من الوحدة.

السبب الرئيسي

تجدر الإشارة إلى أن معظم الدول العربية تشمل ثقافات متعددة، منها ما هو حضري وقبلي وريفي وعرقي ومذهبي، ولا يوجد أنموذج لدولة عربية وحدت مكونات شعبها بثقافة واحدة، والتي من المفترض أن تكون الثقافة المدنية بعد التحولات التي حدثت فيها، فإذا لم يتحقق هذا الأمر في دولة واحدة، فكيف يمكن أن يحدث في 22 دولة؟

ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى غياب عملية التحديث الثقافي، التي كان من المفترض أن تسير جنباً إلى جنب مع تحديث البنية التحتية، الذي طال معظم أقطار الوطن العربي، فالثقافة المدنية الحديثة، في الدول التي ظهرت بها، تجاوزت معظم جوانب الثقافات التقليدية، التي كانت تقف في العديد من الأحيان كعقبة لوحدة الشعوب في الحقوق والواجبات والتعامل مع واقع المجتمع الحديث.

مفهوم سياسي

مما سبق، يتضح أن مفهوم «القومية» الذي دعت إليه غالبية القوى القومية، لم يكن ثقافياً أو فكرياً بالدرجة الأولى، بل وجدانياً وانفعالياً وحماسياً ورومانسياً من جهة، واتخذ الطابع السياسي البحت من جهة أخرى.

فلقد فُهمت القومية على أنها مواقف سياسية، لا أكثر، في أحسن الأحوال، ولا يظهر الشعور الحقيقي بالعروبة، إلا في حال العلاقة مع الآخرين، خصوصاً الغرب، أي المستعمر السابق، أو أثناء الأزمات والحروب.

والسؤال الذي يطرح هنا هو: هل يعني ذلك التخلي عن البُعد القومي أو العربي في التوجهات الفكرية للحركة الوطنية الكويتية؟ الإجابة قطعاً لا.

النموذج الأوروبي

الكويت والكويتيون جزء من الشعب العربي، ومصيرهم لا ينفصم بشكل عام عن مصير الشعب العربي، فما يجري في الوطن العربي يعكس نفسه على الكويت وشعبها، لكن المفهوم السابق للقومية، ومن ثم الوحدة العربية، لم يكن مفهوماً واقعياً، ولا يستند إلى أرضية فكرية واضحة وقيم ثقافية واحدة، وهوية عربية محددة المعالم، والمطلوب اليوم دراسة نماذج أخرى من الوحدة والاقتداء بها، والعمل على توفير العوامل الواقعية التي تشكل الأرضية الفعلية لأي شكل من أشكال الوحدة.
ولعل الأنموذج الأوروبي يصلح أن يكون الأفضل للاقتداء به، فأوروبا التي قامت بها حربان عالميتان خلال القرن العشرين، وطحنتها الصراعات والحروب التي قامت بين دولها ردحاً طويلاً من الزمن، وعلى الرغم من تعدد القوميات والأعراق والثقافات واللغات، فإنها استطاعت أن تتوحد أخيرا، بعد أن قامت بتهيئة العوامل الفعلية للوحدة التي يمكن تلخيص أهمها بما يلي:

أولاً، قيام أنظمة ديمقراطية تقوم على التعددية السياسية والتداول الديمقراطي للسلطة، بما يتضمنه من نظام حقوقي وحريات مختلفة.
ثانياً، اعتماد نظام الاقتصاد الحُر، أي الرأسمالي، كنظام اقتصادي بين الدول الراغبة بالانضمام للاتحاد الأوروبي.

ثالثاً، سيادة الثقافة المدنية، ومنحها الأولوية على أي ثقافة أخرى محلية، وتضمينها قيماً أصبحت مشتركة بين الغالبية الساحقة من الشعوب الأوروبية، إضافة إلى احترام المواثيق الدولية في حقوق الإنسان والطفل والمرأة والأقليات والبيئة والقوانين المحققة لها، علاوة على ما تم ذكره حول فكرة الحداثة، والتي طالت العقول، ووحدت في ما بينها في القوانين والتفكير العقلي والمنطقي..الخ.

وهناك، بلا شك، عوامل أخرى دفعت في ترسيخ الوحدة الأوروبية التي تتوسع بشكل مستمر، ولربما يأتي اليوم الذي تشمل به جميع الدول الأوروبية.

حجرة عثرة

هذا الأنموذج الوحدوي، وهناك نماذج أخرى بالطبع، يصلح أن يكون أرضية للدعوة للوحدة العربية بشكل يحفظ حقوق الجميع، لكن بنظرة واقعية، نجد أن هذا الأمر بعيد المنال في الواقع الحالي، الذي نعيشه، فمظاهر التخلف الفكري والثقافي وشكل الدولة وكيانها والنظام الاقتصادي الذي يجب أن يسود، يقف حجرة عثرة أمام أي شكل فعلي من أشكال الوحدة التي يمكن أن تحقق النتائج الإيجابية للشعب العربي.

ولعل المشكلة الكبرى التي تواجه أي شكل للوحدة العربية، هي غياب وجود فعلي لدولة ذات مؤسسات مستقلة وفاعلة يحكمها القانون واللوائح، فالدول العربية تدار بطريقة فردية أو عائلية أو حزبية، تفرض هيمنتها على الدولة ومقدَّراتها، وتضع الأطراف السابقة نفسها مكان الدولة ومؤسساتها، فهى التي تشرع وتخطط وفق مصالحها الخاصة بالدرجة الأولى، ولا ينظر للدولة ككيان مستقل وموضوعي، وتعمل وفق أطره القانونية والدستورية، بمعنى لقد فشلت الأنظمة العربية، حتى هذه اللحظة، في بناء دولة عصرية حقيقية تدار وفق القوانين والمصالح الشعبية، وترسم استراتيجيتها من منظور الصالح العام، لا المصالح الذاتية أو الفئوية.

الدولة الوطنية

هناك تطوُّر نعيشه على مستوى العالم حالياً، وهو النزوع نحو «العولمة»، وباختصار شديد، فإن القضايا التي يعيشها الإنسان اليوم لم تعد ذات طابع إقليمي أو قومي فقط، بل أصبحت قضايا عالمية، وحلها أيضاً يستدعي القيام بمجهود عالمي جماعي، وليس أحادي الجانب.

أخذت مسألة الدولة الوطنية أو القومية ككيان مستقل، تطرح بشكل جدي نظراً للتنازلات التي تقدمها بعض الدول لحل المشكلات في إطار عالمي، وكذلك التنازل في بعض الأحيان عن بعض مظاهر السيادة أمام التكامل الاقتصادي العالمي وحركة رأس المال والمؤسسات المالية الدولية، أو حركة الشركات العالمية متعددة الجنسية، ونزوع العالم نحو «العولمة»، وعالمية المشكلات والمفاهيم الإنسانية يقلص من دون شك دور الدولة الوطنية أو القومية، خصوصاً في ظل التقدم الكبير لوسائل الاتصالات، ونقل المعلومة، وتبني معظم الحركات الشبابية قيماً إنسانية عامة، كالتعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعايش مع الآخر.. إلخ، ودخولها ضمن منظومة ثقافة عالمية آخذة بالتبلور تدريجياً، وتراجع إلى حد كبير الخصوصية الثقافية والفكرية والسياسية للمجتمعات النامية.. كل ذلك يقلص من الأطروحات القومية، ويعطي الأولوية للنزعات الإنسانية والأممية.

تساؤلات حول القومية

أما بالنسبة للصراعات القومية التي اندلعت في العقد الأول من تسعينات القرن الماضي في دول البلقان وبعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وبعض مكونات روسيا الاتحادية، فهذا كان نتيجة للقمع الذي ساد إبان العهد الشيوعي عندما تسيَّدت قوميات معينة على أخرى، وفرضت قيمها ولغتها وثقافاتها، وبمجرد انهيار تلك الدول، برزت الصراعات العرقية، كردة فعل على عقود من القمع والبطش، بعضها كان للانتقام، وبعضها الآخر للتخلص تماما من هيمنة قومية ما على أخرى، وقد تلاشت تدريجياً تلك الصراعات ذات الطابع الدموي مع التحولات الجارية في العالم نحو العولمة.

إن الواقع العالمي المستجد يضع العديد من التساؤلات حول فكرة «القومية» التي تم تجاوزها في بقاع عدة من العالم، وهذا يفتح باب التساؤلات أمام تبنيها، كإطار فكري وهدف سياسي بمفهومها التقليدي أو البحث عن أشكال وحدوية أخرى، في ظل واقع وتيار عالمي جارف لا يعترف بالحدود أو الخصوصية.

وخلاصة القول إن الفهم العربي للقومية ضبابي وغير محدد المعالم، ولم يخرج بشكل كبير عن نطاق التمنيات الذاتية، ويواجه عقبات فعلية تحول دون تحقيقه على أرض الواقع

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *