الرئيسية » قضايا وآراء » عبد الله النيباري : ماذا بعد قرار المحكمة الدستورية؟

عبد الله النيباري : ماذا بعد قرار المحكمة الدستورية؟

عبدالله النيباريلعل التساؤل الذي يشغل بالنا في هذه المرحلة الدقيقة التي نمر بها، يتمثل في الاحتمالات حول قرار المحكمة الدستورية في الطعن بمرسوم انتخابات الصوت الواحد؟

يتداول المتتبعون ثلاثة احتمالات:

الأول: إضفاء الشرعية الدستورية على المرسوم، باعتبار إصداره موافقاً لنصوص وضوابط الدستور.

الثاني: هو أن تقبل الطعن، بعدم سلامة إجراءات حلّ مجلس 2009، والإبقاء على المرسوم.

الثالث: إلغاء المرسوم، لعدم توافر شرط الضرورة الموجب لإصداره، وهو ما يعني إبطال انتخابات مجلس الصوت الواحد.

ويترتب على الاحتمالين الأول والثاني، أي إضفاء الشرعية على المرسوم وإبقاء المجلس، أن يتحوَّل الأمر إلى سجال قانوني وسياسي.

من الناحية القانونية، سَيُفتح سجال سياسي، يتناول صلاحية قانون نظام الانتخابات بالصوت الواحد، ومدى وفائه بالشروط الواجب توافرها في قانون الانتخاب.

كما يتناول أيضاً مدى ملاءمة قانون نظام الصوت الواحد لإنتاج مجلس يمثل إرادة الشعب.

فهذا النظام يحمل عيوباً كثيرة، منها أنه لا ينتج مجلساً يساعد على تطوير الحياة الديمقراطية والبرلمانية، ولا يؤدي إلى تجاوز الأسوار والحواجز التي تؤدي إلى استقطابات قبلية وطائفية، حيث سيكرّس نمط العمل الفردي في البرلمان، ولا يساعد على تطويره إلى عمل جماعي، يتمثل في كتل وأحزاب سياسية تطرح برامج، وتكون مواقفها وأداؤها في البرلمان مبنية على التشاور والبحث، وليس على أساس مطالب فردية، تغلب عليها الشعبوية، لإرضاء وكسب الأصوات وهدر أموال ومصالح الدولة.

وقانون نظام الصوت الواحد سيؤدّي إلى المزيد من تفتيت النسيج الاجتماعي، بدلاً من أن تكون الممارسة الديمقراطية داعمة للوحدة الوطنية وتلاحم النسيج الاجتماعي.

أما الاحتجاج بأن نظام الصوت الواحد معمول به في الكثير من الدول، فذلك ادعاء وتبرير غير صحيحين، فأنظمة الصوت الواحد للناخب في اختيار مرشح واحد يكون في دائرة يمثلها عضو واحد في البرلمان (واحد من واحد)، وليس واحداً من عشرة، ويترتب على ذلك خرق كبير لجوهر الانتخابات، الأصل فيها أن من يتم اختياره يمثل أغلبية الدائرة، أو على الأقل نسبة كبيرة ومعتبرة من أصوات الناخبين.

 وعلى سبيل المثال، ففي الانتخابات البريطانية الأخيرة تراوحت نسبة الأصوات التي حصل عليها الفائزون بين 32 و70 في المائة من أصوات الناخبين في الدائرة، وفي آخر انتخابات بالولايات المتحدة كانت نسبة الفوز للغالبية العظمى فوق 50 في المائة، باستثناء مقعدين في مجلس النواب، كان الفوز فيهما بنسبة 42 و48 في المائة.

 وبالمقارنة، فإن نظام الصوت الواحد تتراوح نسب الفوز فيه بين 10 في المائة للأول، و2 في المائة أو أقل للفائز العاشر.. وبالتأكيد، فإنه لا يمكن الادعاء بأن هذه النسب تمثل رأي الشعب وإرادته.

الجانب القانوني

يرى القانونيون الدستوريون أن النقاش في هذا الجانب يتركز في تقدير حالة الضرورة الموجبة لإصدار المرسوم، واستندت الحكومة في دفاعها عن المرسوم بعدم اختصاص المحكمة بالنظر في الطعن به، باعتباره قراراً سياسياً من أعمال السيادة، لا تمتد إليه سلطة المحكمة، ودعمت حجتها بحكم المحكمة الدستورية في شأن الطعن بالأمر الأميري بإصدار تعديل قانون الانتخابات عام 1981، وكان قرار المحكمة رفض الطعن، وفي حيثيات الحكم قالت المحكمة «إن تقدير حالة الضرورة شرط سياسي لا قانوني مرده للأمير وحده يقدرها حسب الظروف والملابسات القائمة في كل حالة على حدة»، بل إن المحكمة أقرَّت جواز إصدار تشريعات بأوامر أميرية من دون الاستناد حتى إلى أحكام المادة 71 من الدستور. إلا أن هذا الرأي واجه نقداً عنيفاً من أساتذة القانون الدستوري في الكويت، وعلى رأسهم المرحوم د.عثمان عبدالملك، ود.عادل الطبطبائي.

وقد تناول أ.يعقوب عبدالعزيز الصانع شرح رأي د.عثمان (القبس 1/6/2013)، الذي قال: لا نتفق مع غالبية ما ذهب إليه غالبية الفقه والقضاء، في ما ذهبت إليه من أن تقدير حالة الضرورة الداعية لإصدار المراسيم بقوانين متروك للسلطة التنفيذية (الحكومة والأمير) بالاستناد إلى أن ذلك من عناصر السياسة التشريعية التي لا تمتد إليها الرقابة الدستورية.

ونرى تقدير حالة الضرورة لرقابة المحكمة الدستورية، وحجتنا في ذلك..

أولاً: لا يمنع أن تعطي الحكومة الدليل على توافر حالة الضرورة في جلسة سرية للمحكمة، إذا كانت هناك دواعٍ لعدم الإفصاح عما تقضي مصلحة البلاد كتمانه.

ثانياً: لا يمكن أن يتصور في نطاق احترام الدستور، أن تتخلَّى المحكمة الدستورية عن مسؤولياتها في مراقبة مدى توافر شرط حالة الضرورة، أو أن تتخلَّى عن ولايتها في هذا الأمر.

كما أشار أ.يعقوب عبدالعزيز الصانع إلى رأي د.عثمان عبدالملك الصريح في توافر حالة الضرورة في تعديل أو تغيير أو تقسيم قانون الدوائر الانتخابية، بأن «القاعدة أن يكون ذلك بقانون، وهو الطريق العادي لإقراره عن المشروع، ذلك أن ترك الأمر للسلطة التنفيذية، فمن المحتمل أن تتخذه وسيلة تمكّن أنصارها من النجاح».

 وفي هذا الصدد، تناول أ.حسين العبدالله هذه النقطة في مقال له بجريدة الجريدة (2013/6/2).

رأي الطبطبائي

بعد رأي د.عثمان عبدالملك، تناول د.عادل الطبطبائي هذا الأمر (مراسيم الضرورة) باستفاضة، وتوسع في كتابه عن الدستور الكويتي.

في جواب عن سؤال، هل يجوز للسلطة التنفيذية أن تصدر لوائح الضرورة في فترة تأجيل اجتماعات مجلس الأمة؟ قال: نعتقد بأنه لا يجوز إصدار لوائح الضرورة في حال تأجيل اجتماعات المجلس، وذلك حتى لا يتخذ التأجيل نفسه حجة لإصدار هذه اللوائح، وأن الرخصة المقررة في المادة 71 من الدستور تعد رخصة استثنائية لا يجوز التوسع فيها، وإنما ينبغي أن تفسَّر في أضيق الحدود، وأن نص المادة 71 يقرر وجود حالة تستوجب إصدار مرسوم بقانون لمواجهتها لا يمكن تأجيله إلى حين اجتماع المجلس. ويترتب على ذلك عدم اللجوء إلى إصدار قوانين بمراسيم إذا كانت الأحوال عادية لا ترتبط بحالة عاجلة.

أما في شأن اختصاص المحكمة الدستورية في نظر مراسيم الضرورة وتقدير حالة الضرورة، فتطرَّق د.الطبطبائي إلى حُكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 1999/1/2.

وجاء منطوق ذلك الحكم، أن الدستور قيَّد استخدام إصدار مراسيم لها قوة القانون بحدود ضيّقة، واشترط أن تكون هناك غيبة للسلطة التشريعية، وأن تطرأ خلال هذه الغيبة ظروف تتوافر فيها حالة الضرورة.. وإذا كان الدستور يتطلب هذين الشرطين لممارسة ذلك الاختصاص، فإن رقابة المحكمة الدستورية العليا تمتد إليهما، للتحقق من قيامهما، باعتبارهما من الضوابط المقررة في الدستور.

كما جاء في حكم المحكمة، أن موافقة البرلمان (مجلس الشعب) لا يطهر المرسوم من العوار الدستوري الذي لازم صدوره.

كما ذهب د.الطبطبائي إلى تأييد الرأي القائل «إن لوائح الضرورة (وهي التي تصدر بمرسوم)، ولو أن لها قوة القانون، لا تستطيع أن تتناول تعديل قوانين الانتخابات، فإذا كانت السلطة التنفيذية حلَّت المجلس، ثم شرعت بتعديل قانون الانتخابات، فكأنها بذلك ترسم الطريق الذي يمكنها من ضمان وصول أعضاء جدد يؤيدونها في موقفها من المجلس المنحل، وبذلك تهدر فكرة تحكيم الشعب في الخلاف».

رأي المحكمة الدستورية

وفي ختام هذا المقال، أشير إلى رأي المحكمة الدستورية نفسها في الكويت بشأن اختصاصها في نظر إصدار مراسيم لها قوة القانون.

فقد جاء في حكمها في رفض الطعن المقدَّم من الحكومة في قانون انتخابات 4 أصوات في خمس دوائر رأي حاسم في هذا الشأن، كالتالي: قالت المحكمة «إنه لا يسوغ بأن التشريع الذي تراقب المحكمة دستوريته يعتبر عملاً سياسياً لا يجوز لها النظر فيه، إذ إن ذلك يفرغ رقابة الدستورية من مضمونها، بل يجرّدها من كل معنى، ويقضي إلى عدم خضوع أي عمل تشريعي لرقابة الدستورية، وهو أمر لا يستقيم القول به، فجهة الرقابة الدستورية لا تتخلى عن مسؤوليتها، ملتزمة بأداء وضعيتها القضائية التي أولاها إياها الدستور».

 وبناءً على هذه الأسانيد القانونية أمام المحكمة الدستورية، فلا مناص من أن تمارس رقابتها على المرسوم محل الطعن، والنظر في مدى توافر حالة الضرورة.

ومتى حصل ذلك، فمن الصعوبة بمكان الإقرار بحالة ضرورة لتعديل قانون الانتخابات بمرسوم، فهو لم يكن حدثاً طرأ بعد حل مجلس الأمة، بل هو قانون تقدَّمت به الحكومة، وأجريت ثلاثة انتخابات، وكان محل نقاش في الأشهر الأخيرة قبل حل مجلس الأمة وصدور مرسوم تعديل نظام الانتخابات، وكانت الحكومة قدَّمت طعناً في القانون المعدَّل بمرسوم رفضته المحكمة الدستورية.

 لذلك، قد يرى القانونيون أنه لا مناص من قبول الطعن بالمرسوم وإبطاله.

وإذا تم ذلك، فسيؤدي إلى حالة انفراج الاحتقان السياسي.

 أما إذا جاء قرار المحكمة لصالح إبقاء المرسوم، فإن السجال السياسي والقانوني سيتواصل، مع استمرار الأزمة التي خيَّمت على أجواء الكويت السياسية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *