الرئيسية » عربي ودولي » السودان في زمن البشير.. ربع قرن من استراتيجية «الرقص بالعصا»

السودان في زمن البشير.. ربع قرن من استراتيجية «الرقص بالعصا»

● البشير
البشير

كتب محرر الشؤون العربية:
مرَّ أكثر من ربع قرن على وجـود المشير عمـر البشير على رأس السودان (1989)، ومرَّت مياه كثيرة في النيلين، وأحداث مهلكة عصفت بالسودان، وأطاحت بوحدته، وغيَّرت مجرى تاريخه، إلا في ما يخص المشير، المعروف بإتقانه رقصة العصا الحماسية، وسياسة العصا الغليظـة، الذي رفض مغـادرة المسرح السياسي، وبدأ في 27 أبريل الماضي ولاية رئاسية جديدة تستمر خمس سنوات، من دون استخلاص أي درس من استقلال جنوب السودان، والنـزاعات الدامية في دارفور وكردفان وغيرهما، وانغلاق اللعبة السياسية في الشمال، حيث أسقط الرئيس معاونيه من حوله، وأقصى كل حركات المعارضة، من دون أن يحقق التنمية أو العدالة، أو كل ما يتعلق بتحسين عيش السودانيين.

تحولات كثيرة

خلال ربع قرن من الزمن حدثت تحولات كثيرة على مستوى العالم، سقط فيها جدار برلين، وانهار الاتحاد السوفييتي، وكان للتجارب الديمقراطية صعودها ونكساتها، وكاد السودان يكون سبَّاقا في التحول الديمقراطي مع مشير آخر، هو عبدالرحمن سوار الذهب، الذي سجل بين 1985 و1986 تجربة نادرة في الانتقال السياسي على المستوى العربي والأفريقي.

فللمرة الأولى نفذ سوار الذهب، الجنرال الذي تولى السلطة وأمور الحكم في البلاد عقب ثورة شعبية أطاحت المشير جعفر النميري، تعهدات قطعها على نفسه، بإعادة السلطة إلى الشعب، عبر القوى المدنية التي تمثله، وقبل طواعية بفكرة التنحي عن الحُكم، وخلع البزة العسكرية، والانتقال إلى فضاء المجتمع المدني.

خلطة عجيبة

لكن الشاهد، أن الخلطة العجيبة بين الإسلاميين والجيش، والتي أنتجت انقلاب البشير في 1989، أفرزت عهدا أمسك بالبلاد والعباد، وكانت خلف «المشروع الحضاري» (النسخة الترابية للمشروع الإخواني) قوة القبضة العسكرية التي تجاوزت حكم النميري، وأرست علاقات قوية مع إيران الخمينية، لكن كل ذاك الحراك وتلك التوجهات لم تتمكن من حماية السودان واحترام إرادة الناس فيه وتنوعهـم.

ومما لا شك فيه، كما يرى مراقبون، أن السودان المعاصر حصد إخفاق دولة الاستقلال، وعدم القدرة على بناء نظام يراعي تركيبته الأفريقية والعربية، وتنوعه الطائفي والمناطقي، ويوزع خيراته بشكل عادل، إذ كان من المفترض أن يكون هذا البلد سلّة غذاء أفريقيا والعرب نظريا، ولاسيما أنه ممر النيل، وفي باطنه وسفوحه نفط وذهب ومعادن ومواد أولية، بيد أن كل هذه المميزات أطاحت بها عوامل ترتبط بطبيعة الأنظمة المتعاقبة، أو بالصراعات حول توزيع الثروة أو بالتدخلات الخارجية.

خضع السودان لمعادلة تاريخية نادرة في محيطه، ولم تعمر المحاولات الديمقراطية أمام سطوة العسكر وتأثير العامل الديني، وكان المثال الساطع انقلاب البشير، بمساعدة الإسلاميين، بزعامة حسن الترابي، غير أن التناغم بين القصر والترابي، تحول تدريجيا إلى تنافس، ففراق، فخصام.. وهكذا فقد الحكم العسكري وجهه الأيديولوجي والبراغماتي في آن معـا.

لعـب الترابي دوراً كبيـراً في الوصول إلى حل مع الجنوب، وبشَّر بإعادة توزيع الثروة والحكم الاتحادي وتفهم وضع دارفور، وفوجئت بعض الدوائر الغربية والإقليمية، التي كانت ترى في الترابي متطرفا وداعما للجهاد الإسلامي العالمي، أن النظام السوداني لم يبدل مواقفه بعد القطيعة مع إسلاميي الترابي، بل إن تعامله مع نزاع دارفور كان مزيجا من التخبط والتشدد وفقدان المبادرة.

بلغ السيل الزبى

بلغ السيل الزبى في دارفور، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق البشـير، بقيت سيفا مسلطا لا أكثر، لعدم وجود وفـاق دولي على تنفيذهـا أو قوة تنفذها، لكنها لم تسهم في تحسين أوضاع السودان، بل أصبحت ذريعة لتشدد البشير وتجديده ولايته مرة بعد مرة، على الرغم من مرض يعاني منه ومن استنزاف أوراقه.

بعد الطلاق مع الترابي، افترق البشير عن غازي صلاح الدين، القيادي الإسلامي المؤثر، وتخلص في 2013 من نائبه علي عثمان محمد طه، وكذلك من رئيس الجهاز الأمني نافع علي نافع.

لقد أفرغ البشير الحلبة من حوله، وتجرأ على طرد الصادق المهدي، والزج بالكثير من معارضيه في السجون، لكي يبقى وحيدا في الساحة.
وبعد انهيار حكم محمد مرسي في مصر، وبدء الحرب الدولية ضد «داعش»، والحرب الإقليمية ضد «الحوثيين»، واصل البشير مناوراته، عبر إغلاق المـراكز الثقافية الإيرانية في السودان، والدفع بقواته للمشاركة في التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، مغازلة للمملكة وكسـبا لود المحور المصري- السعودي، لكنه في ملفي سد النهضة مع أثيوبيا، والنزاع الحدودي مـع القاهرة على حلايب، يركز المشير على دغدغة مشاعر السودانيين الوطنية.

إنها الرقصة الدائمة على كل الخطوط (العلاقة الأمنية مع واشنطن، الصلة القوية مع إيران، العلاقات المتينة مع محور أنقرة- الدوحة، التهدئة مع محور الرياض- القاهرة)، من أجل تأمين استمرارية العرش.. أما مستقبل السودان ومصير شبابه ووحدة ما تبقى من أراضيه وأزماته الكثيرة، فلا تستحوذ على الأولوية في اهتمامات المشير عميد الرؤساء العرب.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *