الرئيسية » ثقافة » الرواية الفائزة بجائزة البوكر 2015 «الطلياني».. آفات الأنظمة العربية الحاكمة وأزمة اليسار

الرواية الفائزة بجائزة البوكر 2015 «الطلياني».. آفات الأنظمة العربية الحاكمة وأزمة اليسار

الكاتب وغلاف روايته
الكاتب وغلاف روايته

كتب محمد جاد:
«الطلياني»، الصادرة عن دار التنوير للطباعة والنشر بيروت 2014، هي أولى روايات التونسي شكري المبخوت، وفازت بجائزة البوكر العربية في دورتها الثامنة لهذا العام.

تستعرض الرواية حياة أحد المناضلين من اليسار التونسي، كجزء من اليسار العربي، بين زمنين مفصليين في حياة تونس، من بورقيبة والانقلاب عليه، وحتى عصر زين العابدين بن علي، بطلها «عبدالناصر/الطلياني»، يمثل مناضلي تلك الحقبة، وتبعاتها على ذلك الجيل.

وتمثل الرواية إشارة إلى الحالات المشابهة للطلياني في جميع الدول العربية، فهو مجرد نموذج، ليس أكثر، كما أن الأنظمة الحاكمة، بدورها، هي نفسها من حيث الفساد والإفساد، والمناداة بشعارات أكثر وهمية من شعارات المناضلين هي ذاتها أيضا.

عبدالناصر وأنروز

تبدأ الرواية بمشهد دفن والد عبدالناصر، الذي بمجرد أن يلمح الشيخ (علاله)، ليتمم مراسم الدفن، ينهال عليه بالضرب والسب، فينفض المعزون، وهم يصبون لعناتهم على عبدالناصر، الملقب بالطلياني، لوسامته ولون بشرته الأبيض وشعره الأشقر، حتى إنه يوصف بكونه ابن حرام!

يعود الراوي إلى مرحلة التحاق الطلياني بكلية الحقوق، وخلال تلك الفترة تبدو نضالات اليسار والأحزاب الاشتراكية داخل الجامعة، إضافة إلى التيارات المتأسلمة، هذه البوتقة التي تتجلى فيها الصراعات الفكرية والسياسية والاجتماعية.. الحراك السياسي الطلابي وقواه المتعارضة، وخاصة الفريقين التقليديين اليسار والمتأسلمين، وقد بدأت عمليات إخصاء اليسار، بإعطاء المساحة للحركات المتأسلمة، برعاية الدولة.. هكذا فعل حزب الدستور الاشتراكي التونسي لضرب اليسار والمنظمات النقابية في تونس.

ويتوحد الضدان في محاربة المناهضين لهما، وهنا تدخل شخصية «زينة»، الطالبة بكلية الآداب، المؤمنة بالحرية في حدودها القصوى، والتي تكيل الانتقاد للجميع، وترى أن كلاً منهما يردد نغمة التطرُّف ذاتها، فلكل «جهله المقدس وأصوله الكاذبة»، إلا أن زينة نفسها لديها الكثير من المشكلات، التي لن تستطيع التغلب عليها، هي القادمة من الريف، كمحاولة من محاولات قطع صلتها بالماضي، حتى اسمها الحقيقي (أنروز) مُنعَت من استخدامه، وفق أوامر بورقيبة، الذي منع استخدام الأسماء غير العربية، وقد جاء ذلك على هواها، لأنه يمثل حداً فاصلاً بين حياتها التي تريد نسيانها ــ الفقر والبيئة الاجتماعية ــ وحياة أخرى ترجوها.. يتعرَّف الطلياني على زينة، وينجذب إليها، بتحريض من مسؤولي الحزب أولاً، ثم محاولة التخلص منها ومن إزعاجاتها المستمرة، إلا أنه يحبها، ويتزوجا سراً.

العمل

يتخرَّج الطلياني، ويبدأ في العمل بإحدى المؤسسات الصحافية، التي تعد صحيفة قومية من صحف الدولة، ليجد الوجه الآخر للحقيقة، وأن أوهامه النضالية تتجسد نتائجها أمامه الآن، فيتحوَّل إلى كثيرين كان يطولهم بانتقاداته وطنطنته الفارغة، الطلياني ابن المدينة، والمدافع عن المقهورين وطالبي الحرية، يعيش من خلال نقود أخيه الأكبر الذي يعمل في دولة أجنبية ــ الشخصية الوحيدة المتزنة في الرواية ــ حتى إن زينة تتهمه بأنه يحيا حياة البورجوازيين، وهكذا أصبح مستسلماً تماماً لما يفرضه الرقيب داخل الجورنال كممثل حكومي لما يجب أن يُنشر وما لا يجب، حتى إن البطل يُشارك في هذه الجرائم، ليأمن على نفسه وسط هذا الفساد.. وللمفارقة، فإن هذا الرقيب الآن، ما هو إلا سجين سياسي سابق، أصبح يمثل دور الحارس للنظام، تعويضاً عما فقده في غياهب السجن، ربما الشخصية هنا ثانوية، لكنها تلقي بظل ثقيل على البطل وعالمه الفصامي الذي يحياه.

الطلياني وزينة

لماذا ضرب عبدالناصر الطلياني الشيخ في مراسم دفن والده، الفعل الذي نال بسببه سُبّة أنه ابن حرام؟
تعود الرواية إلى كشف السبب في مشهدها الافتتاحي، فالشيخ حاول اغتصاب عبدالناصر، وهو في السادسة من العُمر، حاول أكثر من مرّة، ولم ينسَ الطفل هذا الانتهاك، حتى لحظة دفن أبيه، وهو ما يقابله في حالة زينة، التي تتحدث بدورها عن اغتصابها وهي طفلة، حيث تم ذلك في ظلام لا تدرك معه مَن الذي قام بهذا الفعل، حتى إن هذا الشك ينحصر بين اثنين.. أبيها وأخيها.

هذه هي الصدمة الأولى، وربما التي حاول الطلياني وحبيبته الهرب منها طوال الرواية، أو حتى التحايل عليها، فبينما ترك الطلياني للنظام اغتصاب عقله ــ رد عبدالناصر على واقعة اغتصابه الجسدي أو محاولة هذا الاغتصاب، بإقامة العديد من العلاقات الجنسية مع الكثيرات، لكنه لم ينجُ من اغتصاب أفكاره ومعتقداته، بينما زينة أصبحت الآن ــ بعد سقوط أحلامها وطموحها المزعوم ــ إلى مُغتصَبَة بإرادتها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *