الرئيسية » آخر الأخبار » الوجهة الفكرية للحركة الوطنية الكويتية (2):الشارع الكويتي بكافة فئاته رفع الشعارات القومية ودافع عنها

الوجهة الفكرية للحركة الوطنية الكويتية (2):الشارع الكويتي بكافة فئاته رفع الشعارات القومية ودافع عنها

جمال عبدالناصر
جمال عبدالناصر

كتب د.عبدالله الجسمي:
انتهيت من هذه الدراسة منذ ما يقارب العام ونصف العام، لكن حالت كثرة الانشغالات عن نشرها في وقت مبكر.. ومع إعادة قراءتها أخيرا، وطلب الرأي من بعض الشخصيات الوطنية والثقافية، الذين أبدوا، مشكورين، عدداً من الملاحظات عليها، إلا أنني اكتفيت بملاحظات محدودة جداً لم تمس النص الأصلي.

وعلى الرغم من أن الدراسة تتحدَّث عن الحركة الوطنية الكويتية، وواقع المجتمع الكويتي، فإن هناك الكثير من أفكارها يتماشى مع الواقع السائد في المجتمع العربي، وإشكالياته السياسية والفكرية والثقافية، فالكويت جزء من الوطن العربي، وما يجرى فيه ينعكس عليها، نظراً للتشابه الكبير في الواقع الاجتماعي والثقافي.

00وتتضمَّن الدراسة انتقادات للطريقة التي فُهم بها مفهوم «القومية» في الفترة التي ازدهرت فيها الحركة القومية العربية، وكذلك انتقادات للأيديولوجية بشكل عام، وآمل ألا يُقابل ذلك بردّ انفعالي أو عاطفي، لمن يرغب في الرد، إن وجد، على مضمون الدراسة، بل المطلوب رد عقلاني ومتجرد من الأهواء والعواطف والأدلجة، حتى يمكن الوصول إلى تصوُّرات وأفكار أفضل، لمصلحة التيار الوطني والمنتمين إليه. في الجزء الثاني من دراسته «الوجهة الفكرية للحركة الوطنية الكويتية»، يتناول د.عبدالله الجسمي مفهوم القومية، وأبعادها وتأثيراتها، والعوامل التي صادفتها وأعاقت انتشارها.

تسيَّدت فكرة القومية العربية الساحة السياسية الكويتية لفترة امتدت لأكثر من نصف قرن، تقريباً، منذ ثلاثينات القرن المنصرم، أي بعد تراجع أفكار حركة الإصلاح الديني، وحتى نهاية الثمانينات منه، وسيادة فكرة القومية أتت مع انتشار المد القومي في نهاية القرن التاسع عشر في الأقاليم العربية أثناء حكم العثمانيين لها، وازدهرت الحركة القومية بشكل كبير، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، سادت في معظم أرجاء الوطن العربي.

ومع مجيء النصف الثاني من القرن العشرين، شهدت معظم الأنظمة العربية انقلابات عسكرية ذات طابع قومي، أصبحت أساساً لشكل الدولة وصياغة أسسها وسياساتها، والشارع الكويتي تأثر بشكل كبير بهذه التطورات، حيث تسيَّد التيار القومي المنادي بالوحدة العربية الشارع الكويتي، وكان له تأثيرٌ واضح على تشكيل جانب كبير من السياسات المحلية والخارجية.

تبني فكرة القومية لم يكن محصورا بتيار سياسي واحد، بل كان توجه الشارع الكويتي بشكل عام وبفئاته الفاعلة المختلفة، من تجار وسياسيين ومتعلمين ومثقفين ونقابات وهيئات شعبية.. إلخ، وكان الطرف الأبرز والأكثر شعبية وفاعلية، آنذاك، هو الممثل لحركة القوميين العرب، بقيادة د.أحمد الخطيب، والآخر الناصري، بقيادة المرحوم جاسم القطامي.

• د.عبدالله الجسمي
• د.عبدالله الجسمي

طغيان الجانب السياسي

مع تصدُّع حركة القوميين العرب، بعد نكسة حزيران عام 1967، ووفاة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، بدأ نجم التيار القومي بالأفول، وتراجع كتيار رئيس وفاعل في الساحة السياسية المحلية منذ نهاية سبعينات القرن الماضي.

وفكرة القومية التي تبناها عدد من التجمُّعات السياسية المحلية والعربية لم تكن قائمة على أسس فكرية واضحة تعبّر عن واقع المجتمع العربي، أي أن تكون جذورها الفكرية تعكس الواقع العربي وتتجاوز الثقافات التقليدية السائدة فيه.. صحيح أن هناك مقومات عدة، لو وُظفت بطريقة سليمة، لكان لأفكار القوميين العرب صدى أكبر، ولأقيمت «القومية» على أسس أفضل، لكن ذلك لم يحدث، بل طغى الجانب السياسي على الفكر والثقافة وتغليب الجانب العرقي على الإنساني.

وما حدث من تراجع على المستويين السياسي والشعبي لفكرة القومية، وتصدُّع الحركة القومية، والتحوُّلات التي جرت لدى العديد من مكوناتها للأفكار اليسارية أو غيرها، أبلغ دليل على غياب أسس فكرية واضحة لطبيعة الفكر القومي العربي.

لقد قام مفهوم القومية العربية على الجوانب الانفعالية والعاطفية، وليس على أسس فكرية أو ثقافية حديثة، وهناك سبب جوهري لغياب الجوانب الفكرية المنبثقة من الواقع العربي، تتمثل في غياب حركة فلسفية وفكرية عربية خالصة، أو بعبارة أخرى فلسفة عربية تقوم على إعمال الفكر، وتقود العقل العربي في فترات التحوُّل المختلفة.

وعلى الرغم من ازدهار الحركة الفكرية في الوطن العربي منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى ما بعد منتصف القرن العشرين بقليل، وبروز عدد من أساتذة الفلسفة والفكر الذين كان لهم شأن في إثراء حركة الثقافة العربية، فإن الأغلبية الساحقة من الأفكار كانت من نتاج الفكر الغربي، ولم تنتشر في الثقافة العربية بشكل جذري، نتيجة للبيئة الاجتماعية والثقافية السائدة في الوطن العربي.

 جاسم القطامي
جاسم القطامي

مفهوم انفعالي ووجداني

في مقابل ذلك، نجد أن التعبير عن الأفكار القومية غلب عليه الطابع الأدبي والفني بشكل عام، والعودة إلى بعض القيم الحماسية في الفخر والشجاعة.. إلخ، التي كان يعبَّر عنها بلغة أدبية ونثرية في التراث العربي القديم، وقد مثل ذلك محتوى أو مضمون مفهوم القومية العربية، الذي ساد عند الأغلبية، نظراً لغياب اللغة التنظيرية الفكرية والفلسفية العربية، وظلت الأقلية المفكرة مهمَّشة، تقريباً، ولم تصل أفكارها إلى العامة.

وعليه، فالأساس الذي قام عليه مفهوم القومية العربية كان انفعالياً ووجدانياً، ولم يرقَ إلى درجة التأصيل النظري المنبثق من الواقع العربي عبر استخدام المناهج الفكرية والفلسفية، وبذلك لا تصلح العودة إلى مفهوم القومية السابق، لأنه يفتقر إلى الجوانب الفكرية التي تسنده، ولعل أبلغ دليل على الافتقار للجوانب الفكرية، هو تفشي ظاهرة الإقليمية في الوطن العربي بين أبناء الشعب العربي، وترسيخها بشكل كبير، وتحوُّلها في بعض الأحيان إلى ساحة للصِدام بين أبناء الدول العربية.

وفي حال محاولة تبني فكرة القومية من جديد، فإن هذه الدعوة ستصطدم بواقع إقليمي يصعب بشكل كبير تجاوزه، أي أن هذه الدعوة ستتحوَّل إلى حالة رومانسية وانفعالية، في ظل الأوضاع والظروف الحالية التي تعيشها الدول العربية، يُضاف إلى ذلك، أنه لم يتم خلق بيئة واقعية تدفع بالوحدة العربية يمكن أن تعود بالمنفعة على المواطن العربي، كالدفع مثلاً بالوحدة الاقتصادية، التي يمكن أن تشكّل أرضية صلبة، وتتجاوز الخلافات السياسية التي كانت سائدة بين حكومات الأقطار العربية، بل وتشكل عامل ضغط باتجاه الوحدة المنشودة.

 د. أحمد الخطيب
د. أحمد الخطيب

النموذج الأوروبي

ولتوضيح الجوانب الواقعية التي تدعم فكرة القومية وتؤسس لها في أي مجتمع، يمكن الاستشهاد بالأنموذج الأوروبي في العصر الحديث، عندما شهدت أوروبا التحولات الحضارية التي أنجبت الحضارة العلمية والمدنية الحديثة، فقد حدثت تغيُّرات جذرية ذات طابع شمولي طالت جميع مناحي الحياة، كان أساسها العلم، والتحوُّل من النظام الإقطاعي إلى الرأسمالي، القائم على الصناعة، وقادت الطبقة البرجوازية الوطنية عملية التحوُّل من الإقطاعيات إلى المجتمع المدني الحديث، في إطار الدولة القومية، وتزامن مع ذلك بروز ثقافة مدنية جديدة وطرق تفكير تقوم على العلم والعقلانية، وأصبح العلم وسيلة للتعامل مع الواقع ومشكلاته، سواء أكانت مادية أم اجتماعية، علاوة على منظومة القيم والفنون والآداب التي تميز قومية ما عن غيرها.

لقد لعبت الرأسمالية الوطنية المنتجة دوراً مهماً في بناء الدولة المدنية ومؤسساتها واستقلاليتها، ومثلت الدولة القومية بشقيها؛ المادي والثقافي، الوسيلة المثلى للحفاظ على مصالحها والدفاع عنها.

لم يحدث ما سبق في الوطن العربي، فلا توجد دولة عربية واحدة يقوم اقتصادها على الإنتاج الصناعي القائم على العلم والتكنولوجيا، ولا يسود في أي منها التفكير العلمي العقلاني، ولا تنشر فيها ثقافة الدولة المدنية الحديثة.. إلخ، الأمر الذي غيَّب مقومات فعلية وواقعية كافية تسند الأفكار القومية في الواقع العربي، وتجعلها تقوم على أسس مادية وفكرية وثقافية متينة.

مفاهيم إقصائية

ومن جانب آخر، تميَّز الطرح القومي عند الغالبية الساحقة من القوى العربية التي تبنته بالشوفينية، وحتى أحياناً بالعنصرية، فقد فهمت تلك القوى فكرة القومية على أساس عرقي، ولم يلتزم الكثير منها بلوائحه ونظمه الحزبية، ومن ثم الدساتير عندما حكم بعضها، بالمبادئ التي تدعو للحرية والعدالة والمساواة، أي أدَّى الفهم المغلوط للقومية إلى الفصل ما بين المبادئ والأفكار من جهة، والتطبيق من جهة أخرى، فمن يتصفح أدبيات الأحزاب والقوى القومية خلال فترة ازدهار المد القومي، سيجدها حُبلى بمصطلحات وخطابات تسود فيها مفاهيم إقصاء الآخر، التي تصل إلى حد العنصرية.

كما قامت تلك القوى، عند تسلم بعضها الحُكم، بإقصاء وتهميش القوميات الأخرى غير العربية، بل وحتى حرمانها من الجنسية، والتعامل مع مكوناتها كمواطنين من الدرجة الثانية، أو حتى الثالثة، وتجريدهم من العديد من الحقوق التي يجب أن يتمتع بها أي مواطن في بلده.

لم يكن هذا الطرح الشوفيني والعنصري مناسباً لواقع متغيّر بشكل كبير، وأصبحت فيه المواطنة الحقة واحترام حقوق الإنسان وثقافة التعايش مع الآخر والاختلاف من أبرز مظاهره، علاوة على محاولة تجاوز الفروق العرقية والمذهبية والدينية بين المواطنين، وبناء الدولة المدنية بثقافتها القائمة على إلغاء مظاهر التمييز بين المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والاجتماعية والدينية وغيرها.

فشل ذريع

وقد نتج عمَّا سبق، في الفترة التي حكمت فيها الأحزاب القومية بعض الدول العربية، انتشار مظاهر القمع والحُكم الفاشي، وغياب أي شكل من أشكال الديمقراطية وحقوق الإنسان، فقد كانت الأنظمة القومية دكتاتورية بامتياز، وتحوَّل الحزب الحاكم، ومَن يقوده، إلى السلطة العليا، التي استباحت كل شيء، وانفردت باتخاذ القرار وهمَّشت حتى بعض المجموعات الأخرى المنتمية للحزب.

لقد فشلت تلك الأطراف في إقامة دولة تقوم على المؤسسات ويسودها القانون والمساواة والعدل ويتمتع شعبها بالحرية، على الرغم من الشعارات التي رفعتها تلك الأحزاب بالحرية والاشتراكية والعدالة والمساواة، والتي كانت في أغلبها حبراً على ورق، كما قامت بأدلجة الدولة، وتصميمها بناءً على فهمها للقومية الذي تتبناه والمواقف السياسية التي تتخذها، ووظفت التعليم ومؤسساته والهيئات والنقابات والاتحادات المهنية، كما وظفت الفنون والآداب في خدمة سياساتها، ولم تقم بإذابة الفروقات الاجتماعية بين المواطنين، بل استخدمت الشرائح الاجتماعية كوسيلة للحفاظ على هيمنتها على المجتمع، وجعلتها كأساس لبنية الدولة، بدلاً من مؤسساتها وهيئاتها.

ويؤكد ما سبق أن القوى التي رفعت شعار القومية لم تكن تحمل أي مضمون فعلي أو أنموذج واقعي وثقافي وفكري وحضاري للمجتمع والدولة يؤطر لفكرة القومية، بل غلب على أنموذجها الطابع الانفعالي والوجداني والعاطفي والتسلطي القمعي، ولعل أبلغ دليل ذلك عندما سقطت بعض الأنظمة القومية تفشت العصبية الطائفية والقبلية والانتماءات الضيقة بين أفراد المجتمع، وكأن عقودا من الطرح القومي وشعاراته كانت في وادٍ، والواقع في وادٍ آخر.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *