الرئيسية » قضايا وآراء » عبدالله النيباري : قرارات «الدستورية»..الفيصل لضمان استقرار البلاد

عبدالله النيباري : قرارات «الدستورية»..الفيصل لضمان استقرار البلاد

عبدالله النيباريفي هذه المرحلة الحرجة التي تعيشها الكويت وأهلها، تتجه الأنظار إلى ساحة القضاء.

فهناك محاكمة النشطاء السياسيين، ومن بينهم أعضاء مجلس أمة سابقون ومغردون، بتهم تتعلق بمشاركتهم في التجمُّعات والمسيرات والمساس بالآخرين، وأهمها المساس بالذات الأميرية.

وما صدر من أحكام قاسية حتى الآن وقرارات الحجز لمدد طويلة للمدعى عليهم، واحتمالات صدور أحكم بالدرجة نفسها من القسوة، سَيُدخل الكويت في مرحلة صراع سياسي لم تشهده من قبل، وتحولها إلى بحرين أخرى. فالكويت، تاريخياً، كانت مختلفة، حيث لم تشهد ما عانته البحرين من صراعات سياسية أدَّت إلى سفك الدماء والقتل والسجون والاعتقالات، لأسباب سياسية.

في تاريخ الكويت السياسي هناك حدثان قريبا الشبه من حالة البحرين، الأول ما حدث عام 1938 في ما عُرف بحركة المجلس، وما نتج عنها من صراع سياسي أدَّى إلى سقوط شهداء وسجن عدد من الزعماء السياسيين بأحوال قاسية ولجوء آخرين إلى المنفى، والثاني ما حدث في أعقاب تزوير انتخابات 1967، وقيام مجموعة من شباب الحراك الوطني – آنذاك – بعمليات التفجير التي أدَّت إلى الاعتقال وأحكام بالسجن لمدد طويلة.

خطورة مسلسل الصدامات السياسية واستخدام العنف، سواء من جانب السلطة، أو النشطاء السياسيين، تكمن في أن الانزلاق إليه سهل، ولكن إيقافه وتجاوزه أو الخروج منه صعب، وهذا ما تؤكده أحوال الأقطار العربية.

وأقل ما يمكن الإشارة إليه في حالة الكويت أننا قد نتحوَّل، أو ربما تحوَّلنا، إلى ساحة ألغام، والاستمرار في المسار نفسه قد يؤدي إلى المزيد من انفجار الألغام، والوصول إلى درجة فقدان السيطرة، وتفقد الكويت ما كانت تتسم به من مجتمع متصالح ينعم بالحياة الهادئة.

نعود لمشهد ساحة القضاء والمداولات حول الطعون المقدَّمة ضد انتخابات المجلس الحالي (1 ديسمبر 2012)، وفي المرسوم بقانون لتعديل قانون الانتخابات.

ما يطرح أمام المحكمة الدستورية بشأن الطعون المقدَّمة وحكم المحكمة الذي سيتمخض عنه أمر في غاية الأهمية، أولاً لما ستضيفه هذه المداولات ومذكرات الطعون، وما تتضمَّنه من دفوعات قانونية وأسانيد وحجج تضيف إلى المعرفة والثقافة القانونية التي تبنى على أساسها المواقف السياسية تجاه القضايا العامة، ما قد يخفف من آثار الانحياز والتعصب والتمترس والانتقام من الآخر في تكوين المواقف السياسية.

ولو هيئ للمتعاملين بقضايا الرأي في الشأن العام من نشطاء وكتاب وجماعات سياسية، للاطلاع على ما تضمنته الأحكام والمذكرات والدفوع القانونية وإسهام القانونيين أصحاب الاختصاص، لكان لذلك أثر في ترشيد الصراع المحتدم.
النتائج التي ستترتب على مداولات المحكمة الدستورية، وما ستصل إليه من أحكام، قد يكون له أثر كبير في تخفيف حدة الاحتقان أو بقائها، إذا جاء الحكم لمصلحة الطاعنين بإبطال الانتخابات وإلغاء المرسوم، ما يؤدي إلى عودة مجلس 2009، وذلك سيكون أهون الشرور، باعتبار أن عمره قصير ومحدود بشهور.
أما إذا جاء حُكم المحكمة برفض مطالب مقدمي الطعون وإبقاء المجلس الحالي، فذلك سيؤدي إلى استمرار حالة الاحتقان، وارتفاع حدة الصراع، وتعمُّق الانقسامات في المجتمع، واستئناف السير في شارع الألغام.

وللتذكير، هي ألغام اجتماعية من إفراز مكونات المجتمع التي ازدادت تنافراً، بدلاً من التصالح والتوافق.
هل ستنظر المحكمة في ملاءمة مرسوم الصوت الواحد من الناحية الدستورية، أم ستقتصر على النظر في سلامة إجراء الانتخابات.
يقول د.محمد الفيلي (الجريدة 3 فبراير 2012) إن اقتصار المحكمة في نظرها الطعون على بطلان العملية الانتخابية، مع استمرار بقاء المرسوم بقانون، يعني استمرار بقاء أساس الطعن في انتخابات مقبلة، وذلك يبقي المشكلة بلا حل.
ويضيف الفيلي: واذا تصدت المحكمة بصفتها محكمة دستورية وليست محكمة طعون يثير مسائل عديدة مثل هل هناك وقائع حدثت في غياب المجلس او كانت موجودة واستمر حدوثها؟ وهل تشكل حالة استثنائية يلزم مواجهتها لتضمنها قدرا عاليا من الخطورة؟ وفي الاساس هل ستمتد رقابة المحكمة للنظر في عنصر الضرور، باعتباره عنصرا متعلقاً بالسيادة، لا يجيز للمحكمة الدستورية النظر فيه، وهي الحجة الأساسية التي تستند إليها دفوعات الحكومة.

هذه القضية، أي قضية ما إذا كان اعتبار تقدير حالة الضرورة، هي من صلاحيات رئيس الدولة سمو الأمير والسلطة التنفيذية، أم يجوز للمحكمة الدستورية التصدي لها والنظر في موجبات حالة الضرورة وكيف تم تقديرها؟
والموقف الذي اتخذته قطاعات من المجتمع الكويتي في تأييد المرسوم بقانون بتعديل قانون الانتخابات والمشاركة في الانتخابات بناءً على ذلك، هو موقف هؤلاء لم يأخذ بالاعتبار آراء خبراء القانون الدستوري، سواء في مصر أو الكويت.

وخلافاً للرأي الشائع، يرى خبراء القانون الدستوري أن المرسوم بالأساس هو قرار إداري، ويصدر بقرار من مجلس الوزراء، ويوافق عليه الأمير أو يرفضه، ويصدر لمعالجة حالة استثنائية حدثت في غياب المجلس، مثل الزلازل والحرائق الكبيرة والحروب.. وما إلى ذلك.

ويقول د.عادل الطبطبائي إن المرسوم هو قرار إداري، وهو إجراء استثنائي لا تتوافر فيه الضمانات التي تطلبها الدستور.. لذا، لا يمكن سريانه بأثر رجعي، فذلك يتطلب أغلبية خاصة. ويتناول د.الطبطبائي مسألة تعديل قانون الانتخابات بمرسوم، فيقول: في حالة حل مجلس الأمة، فإن تعديل قانون الانتخابات يتعارض مع المبادئ الدستورية التي تحكم عملية الحل، لأن حل المجلس التشريعي قد يكون نتيجة خلاف بين السلطتين، التشريعية والتنفيذية، وعلى السلطة التنفيذية أن تعود إلى الشعب لتحتكم إليه، فإذا كانت السلطة التنفذية حلت المجلس، ثم شرعت بتعديل قانون الانتخابات عند حلها للبرلمان، فكأنها بذلك ترسم الطريق الذي يمكنها من ضمان وصول أعضاء جدد يؤيدونها في موقفها من المجلس المنحل، وبذلك تهدر فكرة تحكيم الشعب في الخلاف السائد بين السلطتين.
ولا شك أن أعضاء المجلس الذين وصلوا إلى المجلس، عن طريق قانون الانتخاب المعدَّل، سيوافقون عليه، لضمان استمرارية عضويتهم، لأن عدم موافقتهم يعني بطلان انتخابهم.
إن المحكمة الدستورية، وهي تنظر الطعون المقدَّمة لها، لا بد أن يدخل في اعتبارها، إلى جانب تقرير مدى ملاءمة المرسوم تعديل قانون الانتخابات مع صحيح القانون وموافقته مع نص الدستور وروحه. كذلك، لا بد أنها ستقدر آثار المداولات على مستقبل سلامة المجتمع الكويتي وأمنه واستقراره وحماية الدستور والالتزام بأحكامه كوثيقة اجتماعية أسست لعلاقة مكونات المجتمع كمواطنين، وعلاقتهم بالسلطة والمحافظة على حقوقهم. التحدي الذي يواجه الكويت وأثر قرارات المحكمة، هو ضمان استقرار الكويت واستئناف تقدمها في مجتمع متصالح.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *