الرئيسية » قضايا وآراء » عبدالله النيباري : في عيد الدستور نطالب.. «اللي شبكنا يخنقنا»

عبدالله النيباري : في عيد الدستور نطالب.. «اللي شبكنا يخنقنا»

عبدالله النيباريتحتفل الكويت يوم الأحد المقبل، المواقف 2012/11/11، بعيد الدستور، وهي الوثيقة التاريخية التي توصَّل إليها المجتمع الكويتي، بالتوافق على تقنين المشاركة الشعبية، والتي طالب بها الكويتيون منذ تولي الشيخ أحمد الجابر الصباح مسند الإمارة عام 1921.

دستور الكويت لعام 1962 وضع الأسس، بل وأضيف خارطة طريق للتطوُّر الديمقراطي وإرساء الحُكم الرشيد على أساس الحرية لجميع المواطنين وبناء دولة القانون والمؤسسات لإدارة شؤون الناس على أساس العدل والمساواة، لخصها المغفور له عبدالله السالم الصباح بكلمته الافتتاحية بقوله «رغبة في استكمال أسباب الحُكم الديمقراطي لوطننا العزيز، وإيمانا بدور هذا الوطن في ركب القومية العربية وخدمة السلام العالمي والحضارة الإنسانية.

وسعيا نحو مستقبل أفضل ينعم فيه الوطن بمزيد من الرفاهية والمكانة الدولية، ويفيء على المواطنين بمزيد كذلك من الحرية السياسية، والمساواة والعدالة الاجتماعية..».

ما أروعها من كلمات ترسي قواعد الحاضر، وترسم خارطة الطريق للتطوُّر نحو مستقبل زاهر في مجتمع يتقدَّم ويحفظ حقوق أبنائه على أساس المواطنة، لا أي انتماء آخر.

وكان بذلك دستور الكويت من أهم التطوُّرات السياسية والاجتماعية، ليس في الجزيرة العربية فقط، وإنما في الوطن العربي، على مدى اتساعه، بل ربما في الدول النامية. لكن هل كان مسار المجتمع الكويتي منذ صدور تلك الوثيقة تقدم بخطوات وفق الأسس التي رسمها ذلك الدستور؟

الجواب طبعا لا.

تعثر المسار بين إصدار قوانين تصادر الحريات (عام 1964)، وتزوير الانتخابات عام (1967)، وحل المجلس وتعليق الدستور عام 1976، ومرة أخرى عام 1986، ومحاولة تنقيح الدستور عام 1981، ثم تعديله عام 1990 والمجئ بما سمي المجلس الوطني.

واليوم، هناك من يطالب صراحة «اللي شبكنا يخلصنا»، أي حل مجلس الأمة حلا غير دستوري، أي تعليق المادة 107 من الدستور، وهذا يعني تعليق الدستور والعودة للحُكم الفردي، أي لحُكم الشيوخ.

طبعا، لكل إنسان رأيه، أيا كان هذا حقه، ولكن «اللي شبكنا يخلصنا»، وفقا لهذا الاقتراح ستؤدي إلى «اللي شبكنا يخنقنا»، ولا أحد في هذه الدنيا بكامل عقله، وبعد التطورات التي مرَّت بها كل المجتمعات للحصول على الحرية، وكل الحريات، وحق المشاركة في صُنع القرار وإدارة الشأن العام يقبل منه مطالبة بقية مواطنيه القبول بالعودة للحُكم الفردي أو حكم العائلة أو حكم النخبة، أيا كانت، مدنية ارستقراطية أو أوتوقراطية أو عسكرية أو أي شكل من أشكال تهميش إرادة الشعب وحقه.

إذا كان هناك طريق أفضل لإدارة شؤون المجتمعات بغير الديمقراطية التي قال عنها تشرشل إنها أقل الأنظمة سوءاً لإدارة المجتمعات، فليذكرها.

الأزمة التي نحن فيها سببها الرئيس هي العودة للانفراد بصُنع القرار، أي الانفراد بالحُكم، من خلال المجيء بمجلس صديق للسلطة، أي مطيع للسلطة، من خلال تعديل آلية الانتخاب، وهو تعديل يرقى إلى تعديل في الدستور، إذ لا يجوز أن تضع السلطة التنفيذية منفردة آلية إنتاج المجلس التشريعي، الذي من أهم وظائفه بعد التشريع، هو مراقبة الحكومة، بل إن الوظيفة الأخيرة هي الأساس، لأنه في المجالس التي تشكل الحكومة، أي السلطة التنفيذية من الأغلبية في البرلمان، يكون أهم وظيفة للبرلمان من خلال الأقلية، وهي المعارضة، هي الرقابة، لأن وظيفة التشريع، وهي إصدار القوانين، مضمونة للحكومة، لأنها تملك الأغلبية، ووظيفة المعارضة هي إيضاح المخالفات والأخطاء، وإلقاء الضوء على السياسات الخاطئة أو الخطرة، لكي يمارس المواطنون الضغوط لتغيير سياسة الحكومة أو إسقاطها في انتخابات لاحقة، وهذا ما حصل في الكثير من الدول، كالولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا واليونان، وكلها تواجه فيها الحكومات ضغوطاً لتعديل سياساتها الاقتصادية والمالية أو إسقاطها.

اليوم في الكويت نواجه ليس أزمة ولكن أزمات مستعصية، ومنها:

1 – أزمة سوء الإدارة.

2 – أزمة تفشي الفساد بصورة مريعة، من فساد كبير بالبلايين، إلى فساد لموظف صغير بكارت تلفون.

3 – أزمة نظام سياسي، حكومة وسلطة ومعارضة وأعضاء مجلس.

ولكن هذه الأزمات التي كنا ننتظر إصلاحا من خلال تصحيح سلوكنا وممارساتنا السياسية، كسلطة وحكومة ومجلس أمة وناخبين.

على المدى القصير، نواجه أزمة الصِدام واستخدام العصا الأمنية والعنف في مواجهة قطاعات من الشعب، معظمهم من الشباب، يطالبون بإصلاح سياسي وإداري حقيقي، في إطار الدستور، أي إصلاح في النظام وليس تغيير النظام.

هذه المرحلة قد تطول ربما أشهر أو سنوات، كما كانت الحال في الفترة الممتدة من 1967 إلى 1992.

قد تكون تكاليفها كبيرة، من ضحايا ومساجين سياسيين، وغير ذلك مما مرَّت به الشعوب، كما هي الحال في البحرين، ولكن يوما ما ستظهر هناك أزمة ثانية أخطر، وهي أزمة الانقسام الاجتماعي إلى قبائل (أو كما يحلو للبعض بدو، وهم لم يعودوا بدوا، كلهم موظفو حكومة)، وإلى طوائف ومذاهب، سنة وشيعة، وانقسام سياسي بين تيارات الإسلام السياسي التي تتبنى مرجعية ماضوية، تتلحف بتفسير متطرِّف للدين، والكثير يقولون إنه لا علاقة له بالدين أو الشرع، وتيارات تميل إلى الإصلاح السياسي يُطلق عليها وفق المناسبة تيارات وطنية أو تقدمية أو راديكالية أو ليبرالية، والتصنيف على ذوق المستخدم.

هذا التركيب للقوى السياسية واحد من أسباب تعثر المسيرة الديمقراطية الدستورية للكويت. كانت الكويت من أوائل القرن الماضي تتسم بتيار سياسي إصلاحي على وجه العموم تطوَّر أحيانا إلى سمة راديكالية تطالب بتغيير جذري، كما حدث في انتفاضة المجلس التشريعي عام 1938، وكذلك في عقود الخمسينات والستينات والسبعينات، وأحيانا تأخذ الطابع الإصلاحي الهادئ، وهو يعكس ميول المجتمع الكويتي على طريقة «الهون أبرك ما يكون»، وليس بالضرورة أن يكون ذلك هو الأصح كفلسفة سياسية.

تاريخ السلطة في الميدان السياسي ضد التطوُّر الديمقراطي، وضد الالتزام بإطار الدستور، كما أشرت عاليه، وخصوصاً بعد وفاة عبدالله السالم.

وانحازت السلطة أو استخدمت أقساما من المكونات الاجتماعية الموالية لها في إعاقة التطور الديمقراطي واستخدام إمكانية الدولة لشراء الولاء السياسي بأشكال مختلفة، سواء مباشرة بالمال السياسي، أو بمنافع الدولة، من توظيف ونقل وترقية وعلاج في الخارج والتساهل في المخالفات والقصور في أداء الواجب، حتى لو كان غياباً عن الدوام.

التركيب الاجتماعي الفئوي والطائفي والمذهبي يعزز نمو ظاهرة تيارات الإسلام السياسي على جانبيه، الطيف السني والشيعي.. كل ينادي بمرجعية خاصة به، سواء كانت مرشد الإخوان أو أئمة السلف أو ولاية الفقيه.

هذا الأمر زاد الحالة تعقيداً، فصارت الممارسة السياسية، بما فيها الانتخابات، على أساس الانتماء، قبلياً أو مذهبياً أو أسرياً، وليس على أساس الرؤية والمواقف تجاه قضايا الشعب والبلد.

ويزداد الأمر تعقيداً في حالة نشوء أزمات داخلية أو خارجية، كما حدث في قضية تأبين مغنية، وكما حدث عندما انفجرت قضية البحرين، ثم سوريا. فالمناصرون للمطالب الشعبية في سوريا ضد هذه المطالب، ومع النظام الحاكم، والمناصرون للمطالب الشعبية في البحرين ضد المطالب نفسها الشعبية في سوريا ومع النظام الحاكم.

انقسام التيار الوطني

الذي استجد في المشهد الحالي للأزمة، هو الانقسام في ما اتفق على تسميته بالتيار الإصلاحي أو التيار الوطني، سواء المنخرطين في تنظيمات، كالمنبر الديمقراطي أو التحالف، أو أي تنظيمات أخرى.. والتنظيمات عموما لا تشكل أحجاما كبيرة، لكن الأكبر في التيار الإصلاحي الوطني هم مواطنون يؤيدون هذا التنظيم أو ذاك أو هذا المرشح في انتخابات أو ذاك، من دون التزام لتنظيم معين، وهذا هو التيار الواسع، وهو ما تتميَّز به الكويت، لأن له جذورا تاريخية في ما يمكن أن يُسمى بالحركة الوطنية أو التيار الوطني، والتيار يعني مواطنين لهم توجه متقارب إزاء القضايا الوطنية، من دون أن يكونوا ملتزمين بأي عمل أو انتماء منظم.

ولكن تاريخياً كان هذا التيار الإصلاحي الوطني يتبنى فكرا تقدميا إصلاحيا وطنيا يؤمن بالدستور والتمسك به مع إصلاح الإدارة وضد الفساد، ومع إقامة علاقات حسنة وإيجابية مع الجوار ومع العالم، وعلى الأخص في الإطارين الخليجي والعربي.

هذا التيار، وهو الذي قاد وأنتج الدستور والديمقراطية وتمسك بإعادتهما إذا غابا، متسمك بميثاق مؤتمر جدة، يتطلع إلى تنمية اقتصادية ونهضة علمية وإقرار حقيقي للمواطنة وإلغاء التمييز وينشد الوحدة الوطنية.

هذا التيار اليوم وصل إليه الشرخ، وأنا لا أتحدث عن هذا التيار الواسع، بما فيه التنظيمات، يعاني شرخا يتعمق، وليس من السهل معالجته.

كانت الآمال في تطوُّر البلد مرهونة بتطوُّر هذا التيار، وعيا وثقافة وتنظيما وإنتاج مواقف دائما مبنية على تشخيص موضوعي لواقع المجتمع، وكيفية تحقيق آماله وتطلعاته ومطالبه، وفقا لمعطيات المرحلة التي يمر بها.

الأزمة الحالية لهذا التيار هي أزمة ثقافة وفكر وتغلب العاطفة وردود الفعل على أعمال العقل وإعلاء الحكمة.

أصبحنا نبني مواقفنا كرد فعل لمن أساء بخطابه السياسي الهابط وضجر من صراخ البعض وتطاولهم على الآخرين، أو خوفا من سيطرة مكون اجتماعي معيَّن على المشهد السياسي، فالحضر – بسنتهم وشيعتهم – يخافون هيمنة القبائل، وخوف الشيعة أكثر، والقبائل أو أبنائها، ترسخ لديهم مفهوم أو فكر بأن الحضر إما تجار فاسدون استولوا على أموال الدولة، وهمّهم استمرار حالة النهب، وأما البقية، فهم توابع للتجار.

طبعاً، يوجد تجار فاسدون، وكذلك أبناء قبائل أو بدو فاسدون، أو القول بأن الحضر، بمن فيهم الجماعات الوطنية، هم تابعون للتجار، فهذا قول سقيم، وإذا صح بعضه، فأغلبه جهل وتعصب.

الإشكال بأن هذا الانقسام في الثقافة والفكر، وهما عماد الإنسان في قدرته على تقدير المواقف، عامل مستجد في الكويت بحجمه الحالي يضاف إليه الآن ما يُشاع عن مخطط الإخوان والسلف وتابيعهم، وخصوصا أن عددا لا بأس به من النواب الذين نجحوا على أساس قبلي، هم إما أعضاء في هذه التيارات، أو مسايرون لها، من دون قناعة أصيلة.

الآن، توصلت الموجة ليس فقط إلى إدانة مواقف الإخوان أو السلف أو التيارات الدينية، ولكن إلى كل من يذكرونهم بشيء من الإشادة.

فإذا استندوا في تأييد مواقف لهم، أي للإخوان أو السلف، كالاستناد إلى مقال أو تصريح من د.أحمد الخطيب أو عبدالله النيباري، أصبح الخطيب والنيباري مدانين، لأن الآخرين ذكروهم بشيء من الإيجابية، ونسوا أو تناسوا أكثر أشخاص حاربهم الإخوان والسلف هما الخطيب والنيباري، وعلى تيارهم، ونسوا أو غاب عنهم أن أكثر من تصدَّى لإطروحات وأفكار ومواقف الإخوان والسلف هما الخطيب والنيباري.

أنا لا أتحدَّث عن مواقف سابقة، كموقف الإخوان والسلف في حل مجلس 1976 أو انتخابات 1981 ومجلس 1992، وأشير هنا إلى أنه عندما فاز مرشح الإخوان للمرة الأولى في الروضة على د.أحمد الخطيب في انتخابات 1981، فوجئ أهل الروضة بأكبر قطب “عقاروتي” من الموالين الكبار للسلطة حضر للروضة واحتضن مرشح الإخوان الفائر، نكاية وفرحا بسقوط الدكتور الخطيب.

والقصص من هذا النوع كثيرة، ولكن أود أن أقول للذين يلوموننا خطأ بأننا أصبحنا تبعاً للإخوان أو غيرهم، فمن الذي استخدم الإخوان ضد الجماعات الوطنية؟ ومن الذي أعطى السلف 40 ألف متر مربع في الرابية؟ ومن الذي سمح لهم بفتح الفروع في كل المناطق؟ بل من الذي أعطاهم مدارس حكومية، كإحدى المدارس في الشامية للفرع النسائي لجميعة الإصلاح، في الوقت الذي تحرم السلطة إعادة نادي الاستقلال لأصحابه؟ ثم من الذي فتح لهم بيت التمويل وكلية الشريعة التي تخرج كوادرهم ولجنة استكمال تطبيق الشريعة؟ ومن سلمهم وزارة الأوقاف وهيئة الوقف، وبيت الزكاة؟

الموقف الاستراتيجي للسلطة هو التحالف مع التيارات الدينية ضد قوى الإصلاح الوطنية، وعلى رأسها، وعلى الأخص، جماعة «الطليعة» أو جماعة الخطيب والقطامي.

بعد الغزو جاءنا الشيخ سالم الصباح ليعتذر ويقول إغلاق نادي الاستقلال ومواجهة دواوين الاثنين، وخصوصا ما حصل في ديوانية مشاري العنجري ليس مني، ولكن بأوامر.

المهم ألا يأتي من «بلشنا ليخنقنا».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *