الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : لماذا لم يضرب عبدالناصر سوريا؟

ناصر العطار : لماذا لم يضرب عبدالناصر سوريا؟

ناصر العطار
ناصر العطار

صفحات التاريخ لا يمكن أن يحتكرها أحد، ومفتوحة على مصاريعها، لمن يود قراءة ما جرى في كل زمن مضى.. واستلهام الدروس والعِبر من صفحات التاريخ، يتوقف على العقل القارئ، غير المتعصب لنفسه، والباحث عن الحق، حتى لو جاء على حساب مصالحه وأهوائه، والراغب في بسط الأمان على يومه ومستقبله، ولكل منا عقل مدرك، يختلف عن عقل الآخر، ومن غير الإنصاف أن نقرأ صفحات التاريخ بعين واحدة، وإلا لما تعددت آراؤنا، واختلفت توجهاتنا، وجمعتنا، على الرغم من التعدد والاختلاف، المحبة والسماحة، وما كان للديمقراطية في حياتنا معنى، وللحرية عليها أثر.

فليس شرطا أن نتفق جميعاً تمام الاتفاق، ففي صفحات التاريخ نقرأ أن خمسينات وستينات القرن العشرين كانت الدعوة للوحدة العربية تعلو في سماء كل بلد عربي، وتسبق في حضورها الطاغي كل الدعوات، بل كانت في رأي مناصريها، وهم ملايين من العرب، حلماً يجب أن يتحقق، بحكم العوامل والحدود المشتركة بينهم، وبحكم العدو المشترك لهم، الغاصب لوطن جميل من أوطان أمتهم، والمشرد لشعب من شعوبها الغالية.

في عام 58 قامت الوحدة بين سوريا ومصر، إثر أسباب كثيرة، أهمها؛ حماية سوريا من ضغط الأحلاف الإقليمية والمشاريع الغربية الخطرة، الذي تعرَّضت له دمشق في ذلك الوقت، ولم يكن أمام مصر، بعد أن أصبحت رائدة العمل القومي العربي، بعد إنجازها العظيم في تأميم قناة السويس، إلا أن تستجيب لطلب سوريا، في إتمام الوحدة، رغم ما كانت تحمله مصر من هواجس وتساؤلات حول مدى قوة الوحدة وقدرتها على الصمود أمام التحديات والتهديدات القريبة والبعيدة، والداخلية والخارجية، ووقع انفصال دولة الوحدة، التي جاءت تحت مسمى الجمهورية العربية المتحدة، بعد أربع سنوات من قيامها، ورغم تجاوزات بعض المسؤولين عنها وأخطائهم، فإن صفحات التاريخ تكتب عن تفاصيل المؤامرة التي تعرَّضت لها دولة الوحدة من قِبل بعض الذين يحملون رأياً مخالفاً ومصالح بعيدة عن مصالح الشعوب وتطلعاتها، حين وقع الانفصال بين سوريا ومصر في يوم الثامن والعشرين من سبتمبر عام 61 رفضت مصر إطلاق رصاصة واحدة على مَن قادوا الانفصال، ورفضت تحريك دبابة واحدة نحو سوريا، رغم يقينها من وقوع مؤامرة ضد الجمهورية العربية المتحدة.

إن اليقين من وقوع الخطر على دولة الوحدة سبقه تساؤل حول مدى الضرر الذي قد ينال سوريا، في ما لو تحرَّكت مصر وتصدَّت لمؤامرة الانفصال بالسلاح.. إنني أظن، كقارئ متواضع لصفحة قيام الوحدة التاريخية بين مصر وسوريا، أن إقرار مصر بالأخطاء الذاتية التي وقعت أثناء الوحدة، وعدم اعترافها بترسيخ وجود الوحدة تحت ظل السلاح، وحرصها على عدم تغليب التنوُّع السوري على بعضه بعد وقوع الانفصال، كان داعيا رئيسا لعدم تحرُّكها المضاد ضد المؤامرة، فكثير من السوريين تظاهروا، مطالبين بعودة الوحدة، وأصروا على أن تعود سوريا لأحضان مصر، إلا أن الأخيرة رفضت العودة المتسرعة للوحدة غير القائمة على أسس أكثر متانة ورسوخاً من الوحدة الأولى.

إن أمل الوحدة العربية، مهما كان عظيماً، فإن أساسها يجب أن يكون صلباً، ومهما قيل في المؤامرات ضدها وفي الأخطار المحدقة بها، فإن الرد يجب أن يكون مدروساً، لا تدفعه الأهواء والمصلحة الخاصة، فليس مهماً أن تبقى الجمهورية العربية المتحدة، بل المهم أن تبقى سوريا، كما قال جمال عبدالناصر بعد وقوع الانفصال.

Print Friendly, PDF & Email

تعليق واحد

  1. خالد محمد الفحام

    اليوم كنت محظوظا أن أتعرف على كاتبين عربين هما أحمد الجاسم وناصر العطار لكل منهما قلم يتفرد بما يستوحيه من أفكار تبحث عنها العقول المتصفة بالأصالة في زمن ينظر للأصال بأنها خرافة ويتمنيز بأنه نقي وطاهر لم ينله أي قدر من التلوث من بيئة فكر يتصدرها كل ما هو فقير ومبتذل ، همكا نموذجان من جيل شاب مبدع من جيل القرن 21 الذي جهدت على مخاطبته من بوابة الاعتذار عما تركناه بلهم من اشكاليات في الاسلام وفي العروبة وفي كل طرق الحياة تكاد لا تجد لها حلولا ، خابتهم بمدونتي وكنت يائسا أن لا يكون قد بقي شباب في امتى هو من جيل حاضر وقادم مؤهل وبغمتياز على أن يحمل أعظم الهموم فربما وبمعجزة هو جيل ينتشل اسلامي و يعيد البريق والعلياء لعروبتي khaled faham.wordpress.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *